رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

التاريخ يحكى

أيام طوال اصطف الآلاف لإلقاء نظرة أخيرة على النعش الذى يحمل جثمان ملكتهم المحبوبة إليزابيث، فى كثير من الأحيان، كان الانتظار يصل إلى ٢٤ ساعة. ثم فى جنازة رسمية وشعبية بحضور مئات من كبار الشخصيات ورؤساء الدول، ودّعت بريطانيا الملكة لتوارى الثرى بينما توقفت لندن عن الحركة تماما.

بينما تفانى الملايين فى تكريم الملكة الراحلة وتعديد أعمالها المجيدة، آخرون وجدوا صعوبة فى الرد بالمثل. البعض حمّل الملكة، كرئيسة بريطانيا، مسئولية الأعمال الاستعمارية التى حدثت فى عهدها. من المؤسف أن وفاة الملكة قد أشعلت هذه المشاعر العدائية تجاه إرثها والنظام الملكى والاستعمار بشكل عام، فعندما تولت الملكة إليزابيث العرش عام ١٩٥٢ كان أكثر من ربع سكان العالم تحت الحكم البريطاني.

أولئك الذين وقعوا ضحية آنذاك يجدون صعوبة فى استبعاد الملكة الراحلة عما عانته بلدانهم.بعد أن تدهورت حالة الملكة، أرسلت أوجو أنيا، الأستاذة المساعدة فى جامعة كارنيجى ميلون فى بيتسبرغ بالولايات المتحدة الأمريكية، تغريدة إلى متابعيها البالغ عددهم ٨٤٠٠٠ شخصًا، لقد سمعت أن رئيسة إمبراطورية السرقة والاغتصاب والإبادة الجماعية تموت أخيرًا. أتمنى أن يكون ألمها شديدًا. قال بوت رايلى، المخرج والمنتج السينمائى الأمريكى، ماتت أم إرث العائلة المالكة من تجارة الرقيق، والإمبريالية، والاستعمار، والسرقة، ورمز البذخ والتميمة للطبقة الحاكمة.

إن موت أى إنسان، ناهيك عن ملكة فى مقام الملكة إليزابيث، ليس وقتًا ولا مكانًا للتعبير عن غضب المرء بمثل هذه الكراهية والدعوة إلى الانتقام. لكن بغض النظر عن وفاة الملكة، يجب أن يكون الاعتراف بجرم الاستعمار مطلبًا مستمرًا ومناقشة حيوية حتى تطوى هذه الفترة من التاريخ. كانت الإمبراطورية البريطانية مثل غيرها من الإمبراطوريات، تحكم بقبضة من حديد.

لقد عانت بلاد فى إفريقيا وآسيا والكاريبى وأستراليا والشرق الأوسط من الاستعمار. وهذه عينة مقتضبة من الفظائع... فى كينيا، تم قمع مجموعة متمردة تعرف باسم ماو ماو، من خلال معسكرات الاعتقال والتعذيب والاغتصاب والإخصاء وآلاف المذابح. فى تلك المرحلة، تم اعتقال أكثر من مليون كينى فى شكل من أشكال معسكرات الاعتقال، حيث كان الماو ماو يُعتبَرون مجرمين قتلة. لكن فى ٢٠١٣، اعترفت بريطانيا بتعذيب الماو ماو باعتذار تاريخى وتسوية خارج المحكمة.

الهند لديها قصص مرعبة خاصة بها. إحدى هذه القصص حدثت فى مذبحة جالى نوالا باج ١٩١٩، حيث قتلت القوات البريطانية مئات الهنود. وفى ٢٠١٩، اعتذرت رئيسة الوزراء آنذاك تيريزا ماى عن «هذا الجرح المُخزى فى تاريخنا».

كذلك، تم استنزاف الكنوز والمجوهرات الهندية. يقول شاشى ثارور، وهو سياسى هندى مخضرم إن القيمة الإجمالية لما تم سلبه من الهند أثناء الحرب العالمية الأولى، كان بمثابة ٨ مليارات جنيه إسترلينى بأموال اليوم. يقول ثارور أيضا إنه خلال الحكم البريطانى، مات ما بين ١٥ و٢٩ مليون هندى من الجوع، حيث تعرضوا للقمع والاستعباد والقتل والتعذيب والتشويه لمدة ٢٠٠ عام. هذه إحصاءات مروِّعة. استُهدفت نيجيريا لمواردها وثرواتها. لكن الأهم من ذلك هو الدور الذى لعبته بريطانيا فى الحرب الأهلية فى نيجيريا المعروفة باسم حرب بيافرا، عندما حاولت بيافرا الانفصال عن نيجيريا. لا يزال الكثيرون فى نيجيريا يتذكرون مشاركة بريطانيا فى سحق المقاومة والتسبب فى تجويع الملايين.

تم نقل أكثر من مليونى إفريقى مستعبد إلى المستعمرات البريطانية فى منطقة البحر الكاريبي. ذهب البريطانيون والأوروبيون الآخرون، إلى منطقة البحر الكاريبى بحثًا عن الثروة والازدهار. استعبد المزارعون الأثرياء العمال الذين تم جلبهم من إفريقيا لزراعة قصب السكر، وقد كانت سلعة مربحة للغاية. عانى السكان الأصليون فى أنحاء من العالم لأنهم كانوا يُعتبَرون أقل شأنا. نُظِر للسود ومن ذوى البشرة الداكنة وكل من هو ليس أبيض على أنهم أقل مكانة، وأصبح هذا تفويضًا مطلقًا للمستعمرين لمصادرة الأراضى، وإحداث مذابح إبادة جماعية، وعزل السكان الأصليين، ونهب الثروات. كان وضع مصر أفضل قليلاً فى ظل الاحتلال البريطانى، حيث لم تتعرض لمذابح بنفس الحجم، لكنها عانت احتلالا دام ٧٤ سنة انتُهكت فيها المقدرات، وقُيِّدت مصرُ بالأحكام العرفية، والاستغلال، ونفى القادة مثل سعد زغلول، وعقوبات شرسة مثل أحداث دنشواي.

يجب على بريطانيا أن تواجه ماضيها الاستعمارى، وأن تكفر عن الإخفاقات التى تسببت فيها. يجب أن يبدأ الحديث ويستمر حتى يتم استيفاء شكل من أشكال الجبر. مرة أخرى، لا ينبغى أن يتضمن هذا الحديث وفاة الملكة إليزابيث. جميع إمبراطوريات العالم تخبر نفسها بأن دورها كان ارشاديًا وليس النهب والسيطرة، والإمبراطورية البريطانية ليست مستثناة من هذا المنطق.


لمزيد من مقالات د. عزة رضوان صدقى

رابط دائم: