رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الذات الأخلاقية

هل يحق لنا أن نتحدث عن ذات أخلاقية؟ لا أظن أن السؤال سهل على بساطته. فالذات لا تحدث قطيعة مع سياقها إلا فى النذر اليسير؛ حيث يبقى السياق دائماً هو المحدد لفعلها والدافع إلى مساراتها الحياتية. وعندما نستدعى السياق نجد إمكانية لطرح السؤال على نحو مختلف: ما الذى يحدد الدافعية الأخلاقية: القوى الداخلية للذات أم سياقها الذى تعيش فيه. يجيب فلاسفة الأخلاق عن هذا السؤال بطريقتين، فجلهم ينتصرون للسياق أو البناء المحيط ويفترضون أن المعايير والقيم الأخلاقية هى أطر متخارجة عن الذات وهى التى تصنعها وتحدد لها مساراتها الأخلاقية (واللأخلاقية أحياناً). ويرى فريق آخر أن الذات قادرة على الفعل، ومن ثم فإنها تدرك وتفكر وتتدبر وتقدر، وأن بمقدورها أن تطور أخلاقها الخاصة. ويعكس هذا الانقسام فى الرأى الفرق بين منظرى الحداثة ومنظرى ما بعد الحداثة، أو منظرى الأنساق ومنظرى التفكيك. ومع إيماننا بأهمية السياق، وأهمية بنائه على أسس أخلاقية سليمة، إلا أن الذات يمكن أن يكون لديها القدرة على الإدراك الأخلاقى والفعل الأخلاقي. ولكن البناء الأخلاقى للذات لا يتشكل فقط عبر القول بأنها صاحبة فطرة خيرة. فالفطرة الخيرة يمكن أن تضمحل وتهن إذا حاصرتها شروط لا أخلاقية. ولكن الذات إذا ما امتلكت مكنة المعرفة، ومكنة النقد والتأمل الذاتى، فإنها تصبح قادرة على أن تطور فطرتها الأخلاقية، بل أن تحاصر هى كل الشروط اللأخلاقية التى يمكن أن يفرزها السياق، وأن تتجاوزها بحثاً عن سبل أخلاقية. ومن الأهمية بمكان أن نتعرف على الآليات التى تحقق بها الذات مكنتها الوجودية التى تمكنها من أن تلج إلى عالم الأخلاق. ولكن الأهم من ذلك أن نتعرف على الطبيعة الممكنة التى للذات الأخلاقية. نقصد بذلك البحث عن الصفات الأخلاقية التى يمكن أن نتعرف منها عليها. ومهما يكن من حديث حول هذه الصفات، فإنها تبقى مثالية لا تتحقق فى الواقع أبداً. فالواقع يتنوع قرباً وبعداً من الصورة المثالية. وتتشكل هذه الصورة حول مجموعة من الادراكات التى تجعل الذات على وعى بوجودها فى العالم، ومن ثم على وعى بدورها وعلاقتها بالوجود الأكبر الذى هو المجتمع. وعلى هذه الخلفية فإننى أفترض أن الذات تحقق وجودها الأخلاقى عبر أربعة مستويات من الإدراك، يؤدى كل منها إلى فعل أخلاقى يتعلق بها.

يتشكل المستوى الأول من إدراك الحق، ويؤدى إدراك الحق مباشرة إلى إدراك الواجب، فعندما يعرف الشخص بأن له حقوقاً، فإنه يدرك فى ذات الوقت أن الحقوق لا تكتسب إلا بأداء واجبات. وبهذا الشكل يشكل مفهوم الحق ومفهوم الواجب بعداً مزدوجاً فى بناء الذات الأخلاقية. وعندما يستقر المفهومان فى الوجدان، فإنهما يمنحان الذات طاقة أخلاقية كبيرة على الفعل الذى ينطلق من إرادة داخلية دون أى نظر لاعتبارات خارجية لشحذ الإرادة. وبهذه الطريقة تكتسب الذات قدرة على التدبر من أجل معرفة الطريق الحقيقى إلى الحق والواجب، فتصبح قادرة على أن تنفض عن نفسها كل أشكال التحيز والهوى والحقد والكراهية. لا يهم الذات هنا أن تستغرق فى إرضاء الآخرين أو أن تنتظر منهم تهليلاً وتصفيقاً لانجازاتها، بل يهمها أن تنظر فى داخلها فترى، وأن تنظر إلى السياق فتتدبرأمرها باحثة عما يرضى أخلاقها ويتوافق مع معطيات الحق والواجب.

أما المستوى الثانى فإنه يرتبط بإدراك الفضيلة، أى القيمة العليا التى لا تعلوها قيمة، والتى تؤسس لفيوض السلوك الأخلاقي. وسيراً وراء أرسطو فإن القيمة الأولى التى يجب أن يسعى إلى تحقيقها المرء هى البحث عن الخير، وهو بحث يؤدى بالضرورة إلى إدراك فضيلة العدل؛ ومن تلك الأخيرة تستطيع الذات – إذا ما تملكت مفهوم العدل واستدمجته – أن تشتق فضائل أخرى كالأمانة والصدق والإخلاص فى العمل والحذق والاتقان..إلخ. وعندما تتجذر هذه الفضائل فى وجدان الذات، فإنها لا تلاك بالكلام، وإنما تتجلى فى الفعل الأخلاقى، فيتحول الفضل إلى فيض يتدفق فى سلاسل منيرة من الأفعال والممارسات التى تفيض عدلاً وإخلاصاً وصدقاً. ويتجسد المستوى الثالث فى تكوين الوجود الأخلاقى للذات فى إدراك مفهوم العطاء، الذى يعنى المنح والإقدام والمبادرة، وما تحمله كل هذه الأفعال من إقدام وتطوع وتضحية. وعندما يدرك العطاء فإنه يفضى إلى مفهوم أكثر أهمية فى تكوين الوجود الأخلاقى وهو المفهوم المعروف الذى يعنى فعل الخير وإسداءه إلى الآخرين، كما يعنى الإحسان والمساعدة والدعم وكل الأفعال التى ينظر إليها على أنها أفعال خيرة أو فاضلة. وينقل العطاء وما يرتبط به من معروف الفضائل إلى حالة الفيض التى أشرنا إليها، حيث تصبح الفضائل سلاسل منيرة من الأفعال. وعندما تبدأ أفعال العطاء وما يترتب عليها من معروف فإنها تفيض على الآخر، المواطن شريك الحياة والإنسانية. وهنا يتشكل البعد الرابع والأخير من الوجود الأخلاقي. لا يكتمل هذا الوجود إلا بالآخرين الذين نتواصل معهم من أجل الاستمرار فى العيش وبناء العمران. ويمكن القول بناء على ذلك إن إدراك الآخر، وفهمه، والتواصل معه، تعتبر ضرورات أخلاقية، وأن عمليات رفضه ونفيه أو التدابر معه تعتبر نفياً للأخلاق وأحداث قطيعة معها (أفكر فى هذا السياق فى الميول المتطرفة من السلوك والتى تكره الآخر وترفضه وتعاديه، فهى ميول لا أخلاقية فى ضوء هذا المنظور). ويؤدى إدراك الآخر والتواصل معه كضرورة أخلاقية إلى بناء رصيد مما نطلق عليه رأس المال الاجتماعى الذى يقوم على الثقة والتسامح والقدرة على الاندماج والعمل من أجل الآخرين. وفى اعتقادى أن هذه المستويات الأربعة تفضى إلى وجود إنسانى أخلاقى، وهى تدلنا على أن التدفق الأخلاقى يتشكل فى البداية داخل الذات نفسها فى صور من الإدراكات أو القناعات (إدراكات الحق والواجب، والفضل والفيض)، التى تتدفق فى أفعال أخلاقية عبر صور أخرى من الإدراك (إدراكات العطاء والمعروف – والتواصل مع الآخر القائم على الثقة والتعاون). ولاشك أن هذا النموذج الأخلاقى يختلف من سياق إلى آخر، وهو يتشكل عبر عمليات طويلة الأجل من الصقل والتكوين، قد تكون موضوعاً لحديث آخر.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: