رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المجتمع المدنى ومواجهة التحديات

منذُ أن هبت رياح العولمة على العالم مع انتهاء الحرب الباردة، يشهد العالم جائحتين متلازمتين، رغم تناقضهما، الأولى الثقافة الاستهلاكية، التى وسمت كل المجتمعات البشرية المُتقدم منها والأقل تقدمًا، والتى تُعد الآلية الأكثر وضوحًا للعولمة الاقتصادية والتى نعتها عالم الاجتماع الامريكى بنجامين باربر بأنها أيديولوجيا الحصول على المتعة، تلك التى تحولت تدريجًيا إلى شهوة جشعة للاستهلاك، لا استهلاك السلع فحسب، بل استهلاك المعانى والصور والرموز والطقوس والممارسات بل والقيم المصاحبة للعملية الاستهلاكية، وذلك من أجل تثبيتها فى ذهن المشترى بحيث تجعل عملية الاستمتاع بالشراء هدفًا فى حد ذاته وأنه لا يمكن للمرء حيالها إلا أن يختار الشراء، سواء كان يمتلك المال أو لا. وعلى الرغم من أن الثقافة جاءت تحت دعاوى المساواة بين البشر، إلا أنها عمقت حالة عدم المساواة والإحساس بالهوة بين الأغنياء والفقراء.

وفى ذات السياق التاريخى، تطل علينا الجائحة الثانية، والتى تتناقض مع سابقاتها، وهى ظاهرة التضخم العالمى وارتفاع الأسعار كنتاج طبيعى لعمليات العولمة الاقتصادية وما صاحبها من أزمات اقتصادية، وسياسية، وبيئية واجتماعية طالت، ولا تزال، مناطق عديدة من العالم. ومع نهاية العقد الثانى من الألفية الثالثة، تأتى الجائحة الأكثر فتكًا جائحة كورونا التى فاقت تداعياتها كل التوقعات، ولم تقتصر على التداعيات الصحية والاجتماعية، بل فاقمت الأوضاع الاقتصادية بصورة غير مسبوقة، الأمر الذى زاد من معدلات التضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات وتراجع القوة الشرائية لجميع سكان العالم. ثم تأتى الحرب الأوكرانية لتعلى من الأزمة وتنذر بتداعيات قد تكون الأكثر حدة. وفى ظل هذه الصورة الضبابية، بات على الدول المتقدمة والأقل تقدمًا أن تراجع سياساتها، وأن تخفض من معدلات استهلاكها وإيجاد البدائل الأكثر نفعًا والأقل تكلفة.

وفى ظل كل تلك التحولات والموجات المتلاحقة من الكساد الاقتصادى وارتفاع الأسعار التى شملت معظم السلع والخدمات، سعت الدولة المصرية، مثل غيرها من الدول، إلى تجاوز التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التى أوجدتها حالة التضخم العالمى والظروف الداخلية التى شهدتها البلاد. فقد اتخذت الحكومة المصرية سياسات عدة لمجابهة ارتفاع الأسعار كسياسة تعديل الأجور، وتبنى الوزارات المعنية، التموين، والتجارة، والمالية، والتضامن الاجتماعى، والزراعة، حزمًا من السياسات لتوفير السلع وحماية الفئات الأكثر فقرًا. إلا أنه مع توالى الأزمات، انتهجت الدولة آلية عمل سريعة لضبط الأسواق ومواجهة جشع التجار، وآلية المبادرات الاجتماعية، خاصة فى مواسم المدارس، والاعياد وغيرهما من المناسبات، وذلك لتوفير السلع الضرورية مع تشديد الرقابة على التجار لمنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار.

ولكن يبقى سؤال: هل تكفى المبادرات المجتمعية قصيرة، أو متوسطة، او طويلة المدى لتجاوز الأزمات؟ علينا أن نجيب, وأحسب أننا جميعًا نعرف الإجابة وعلينا كمواطنين ومعنا الجهات المعنية حكومية وغير حكومية أن نجد المخارج والآليات التى تمكننا من مجابهة تلك التحديات والأزمات. ولعل أهمها التخلى عن النزعة الاستهلاكية البشعة التى طالت مختلف فئات المجتمع وعملت على إثارة غرائز الفئات الفقيرة والمهمشة التى مازالت تعيش على الكفاف وعلى المساعدات المالية التى تمنحها لها الدولة، أو على المساعدات التى تُقدمها منظمات المجتمع المدنى. ولا أعنى بالمجتمع المدنى هنا الجمعيات الأهلية، بل المجتمع المدنى بمعناه الواسع الذى يشير إلى الدور الخيرى والرعائى الذى يقوم به الناس تطوعًا من أجل مساعدة غيرهم من المحتاجين إلى الدعم.

وهنا ينبغى الإشارة إلى أن المسئولية تقع على جميع الجهات المعنية بالتنمية: الدولة، والقطاع الخاص والمجتمع المدنى فى ضوء مفهوم الشراكة، الذى أصبح مفهومًا حاسمًا فى ظل الأوضاع الراهنة. فهذه الشراكة هى السبيل لمواجهة التحديات. فإذا كانت الدولة تتبنى سياسة المشروعات الكبرى التى ستجنى ثمارها فى حينها، أو تسعى إلى اتخاذ اجراءات اقتصادية للحد من التضخم ومواجهة ارتفاع الأسعار، وتبنى آلية المبادرات المجتمعية لحل مشكلات صحية، واجتماعية، واقتصادية تجذرت فى بنية المجتمع لعقود وتحتاج إلى سياسات واستراتيجيات مستدامة. وإلى جانب دور الدولة، ثمة مسئولية اجتماعية لرجال الأعمال فى إطار الدور الذى وكلته لهم المنظمات التنموية الدولية تحت شعار رجال الأعمال الاخيار الذين يعدوا شركاء فى التنمية وبات عليهم مسئولية اجتماعية تجاه مجتمعهم، خاصة فى ظل التحديات والأزمات التى تجتاح المجتمع من حين لآخر، وأن يكون هذا الدور مستداما ولا يتوقف بانتهاء الحدث أو الأزمة، ثم يأتى الدور الأكثر فاعلية وهو دور المجتمع المدنى بجميع صوره ومستوياته، الدور التاريخى الذى أنقذ المجتمع فى أحلك الظروف الاجتماعية. وأحسب أن لدينا فرصة علينا ان نستثمرها فيما يتعلق بدور المجتمع المدنى، وهو إعلان الدولة عام ٢٠٢٢ عامًا للمجتمع المدنى وكأنها رسالة إليه للقيام بتلك المسئولية التاريخية، ولا أحدًا ينسى دور المجتمع المدنى فى إنشاء الجامعة المصرية وغيرها من المبادرات الكبرى. إن دور المجتمع المدنى اليوم ينبغى ألا يقتصر على تقديم المساعدات والخدمات، بل رفع الوعى بالمخاطر، وبناء القدرات والمهارات اللازمة لمواجهاتها خاصة بين الفئات الأكثر احتياجًا، فالعمل على رفع الوعى وبناء القدرات البشرية بمثابة أسلحة مهمة فى مجابهة الأزمات والتحديات التى جاء بها القرن الحادى والعشرون، لا الأزمات والتحديات الفردية فحسب، وإنما الأزمات المجتمعية. وأخيرًا، فإن المبادرات المجتمعية، رغم أهميتها، لا تكفى وحدها لمواجهة التحديات، بل ينبغى تضافر كل الجهود من أجل الاستقرار الاجتماعى وتحقيق الأهداف المنشودة.

--------------------------

 أستاذ الاجتماع ـــ جامعة عين شمس


لمزيد من مقالات د. سامية قدرى

رابط دائم: