رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

القانون وتحصين الهوية

بدعوة كريمة من المستشار بولس فهمى رئيس المحكمة الدستورية العليا كان لى شرف إلقاء مداخلة بعنوان «القانون والهوية» فى المؤتمر السادس رفيع المستوى الذى نظمته المحكمة الدستورية وضم رؤساء المحاكم الدستورية والمحاكم العليا الإفريقية فى الأسبوع الماضي. ولقد كانت هذه الدعوة فرصة لأن أشغل الآلية الفكرية لعلم الاجتماع القانونى لبحث العلاقة المعقدة بين القانون وبين الهوية. ويرجع السبب فى تعقد هذه العلاقة إلى تعريف مفهوم الهوية ذاته. فالمفهوم يعرف بأبعاده الثقافية التى تجعل الفرد ــــ أو المجتمع ــــ مختلفاً عن غيره، وتحافظ على سمته العام عبر الزمن مثل اللغة والدين والعادات والأعراف والتقاليد سواء التقاليد المتوارثة أو التى تتراكم عبر الزمن الحديث. ولعل هذا الركون إلى الثقافة فى تعريف الهوية يرجع إلى أن الثقافة هى النسق الذى يحفظ للمجتمع توازنه واستمراره، وهو الذى يحافظ على النمط العام المميز للمجتمع عن غيره من المجتمعات. فالثقافة هى الوعاء الذى يحافظ على القلب الدفين فى نسيج العمران، والذى نطلق عليه الهوية أو الخصوصية، وقد نقول اللبنة البنائية الدفينة.

وإذا حاولنا أن نجادل حول العلاقة بين القانون والهوية، فإن نقطة البداية سوف تكون فى معرفة العلاقة بين القانون والثقافة. فإذا ما كانت الأعراف جزءاً من الثقافة، وإذا كان القانون هو عرفا مكتوبا، فإن بإمكاننا أن نعتبره جزءاً من الثقافة، أو اعتباره الأداة التى تلبى للثقافة مطالبها وحاجاتها. وتكون هذه العلاقة أوضح وأقوى فى المجتمعات الحديثة التى تتحول فيها جل الأعراف إلى قوانين. ففى وجود الدولة ونظم الحكم الحديثة، فإن الأعراف لا يكون لها من القوة والقهر ما للقانون الذى يحدد شروط الالتزام فى شكل مكتوب. ويتربع الدستور على رأس النصوص التشريعية ليرسخ القيم العليا فى المجتمع، العدل والمساواة، وحماية الحقوق، ومنع الجور والاعتداء، وتحديد أسس التعاقد بين نظم الدولة والمجتمع. وتأتى القوانين لتفسر الدستور وتضع قواعد ملزمة فى كل مجالات النشاط؛ وتبقى الأعراف التفصيلية لتحكم السلوك فى تفاصيل الحياة التى لا ينظمها القانون. وبذلك يتكامل التشريع بدءاً من الدستور، فالقوانين واللوائح التى تفسرها، وتظل الأعراف سنداً ونصوصاً للعقد غير تعاقدية كما يذهب علماء الاجتماع. ومن هذا المنطلق يمكن أن نبدأ فى تفصيل العلاقة بين القانون والهوية. وتتأصل هذه العلاقة فى ضوء جانبين مهمين، الأول دور القانون فى الحفاظ على الهوية، والثانى دوره فى حفظها من التفكك تحت وطأة التغير الاجتماعي.

فى الجانب الأول يمكن أن نسترجع العلاقة التى أشار إليها فلاسفة العقد الاجتماعى وهم يضعون أسس الحياة المدنية المعاصرة، وعلى رأسهم جون لوك (1632-1704) فى كتابه الأشهر عن الحكومة المدنية، وجان جاك روسو (1712-1778) فى كتاب العقد الاجتماعي. فالدولة المدنية لا يستقيم عودها إلا بقانون يحكم الجميع، ويضعهم على محك واحد من العدالة فى تنفيذ العقاب. ويعبر هذا القانون عن الإرادة الكلية (أو الإرادة العامة) للأمة، فهو ليس قانوناً لفرد، وليس قانوناً لجماعة، بل هو قانون للأمة بأسرها يعبر عن إرادتها، ويؤسس لنظامها السياسي، وينظم العلاقات بين أفرادها. والدستور فى مثل هذه الصياغة هو المعبر الحقيقى عن هذه الإرادة، فهو من نتاج إجماعها ونضالها من أجل إقامة عمران مدنى يأتى من الجميع لمصلحة الجميع. ويمكن لنا هنا بسهولة أن نستدعى مفهوم الهوية، فما الهوية إلا الذات الكلية، وما هى إلا تجسيد ثقافى لإرادة الجماعة وتطلعها إلى حياة مستقرة ومستمرة. ويمكن القول إن الهوية هى إطار ثقافى عام يرتبط بإرادة كلية أو ذات كلية، وأن القانون هو الذى يساعد على تجسيد هذه الإرادة فى الحياة العملية، ويحافظ على استمرارها، ومن ثم فإنه دالة على الحفاظ على هوية المجتمع، بل أنه يعمل بمثابة الحصن الحافظ للمجتمع من الانهيار.

وإذا كان القانون يعمل على حفظ الهوية عبر تأكيده وتجسيده للإرادة العامة، فإنه يحفظ هوية المجتمع عبر الزمن، فلا تتغير بالقدر الذى لا يفقدها صلابتها أو يحيلها إلى هويات متفرقة. وتعد هذه القضية ذات أهمية خاصة فى المجتمعات المعاصرة التى تشهد تغيرات عاصفة على أصداء رياح العولمة العاتية. فظرف العولمة يولد عند القمة أشكالاً متشابهة للعمران والأسواق، ولكنه يولد عند القاع صراعات ثقافية وأشكالا من العراك حول حدود العرق والدين والقبيلة والإقليم. ويؤثر هذا تأثيراً كبيراً على هوية المجتمعات إلى درجة نشهد فيها صورا متعددة من تمزيق الهوية وتشظيها، فيكون بمقدورنا أن نتحدث عن أشكال ثلاثة من تمزق الهوية. يرتبط الأول بما نطلق عليه الهوية السائلة التى تحدث عندما تتلقف الشعوب التغيرات بنهم شديد، فيترك المجتمع نفسه لتدفقات غير محبوسة تصيب القلب الصلب للبناء الاجتماعى فيسيل ويفقد صلابته. ويظهر الشكل الثانى فيما أسميه الهوية اللزجة التى تظهر حين تتلكأ مصادر التغير وتتناقض فيضرب بعضها بعضاً فتفقد النواة الصلبة تماسكها وتولد تناقضاً لا يستجيب لاعتبارات الزمان ويصنع قطيعة لزجة مع معطيات التغير. وتأتى ثالثاً الهوية المتصلبة التى تظهر عندما تلتف الهوية حول أحد عناصرها الثقافية (الدين فى حالة التطرف واستدعائه لجنى المكاسب السياسية والاقتصادية – والقبيلة فى حالة العصبية – والأفكار فى حالة الايديولوجيا). وإذا كانت الهوية تضيع فى حالة السيولة، وتظل تراوح مكانها فى حالة اللزوجة، فإنها تنكسر فى حالة التصلب. ويبقى الأمل دائماً فى الهوية المرنة القادرة على أن تساير وتتغاير دون أن تفقد بذرتها المركزية. ويحقق لها الدستور والقانون هذا الاستمرار. فالدستور العظيم هو الدستور القادر على أن يتغير عبر الزمن وأن يستوعب مستجدات الحياة. فالدستور الجامد مثل الهوية الجامدة. أما الدستور المرن المتطلع إلى إرادة الشعب وطموحه فإنه القادر على أن يستوعب التغيرات وأن يحافظ فى ذات الوقت على البذرة المركزية للذات الجمعية، للهوية الثقافية. وهكذا يظل القانون دائماً هو سيد الموقف، ويظل قول الفقيه الرومانى شيشرون (106 -43 ق.م) صادقاً: أحكى لى قضيتك أقول لك القانون.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: