رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رحلة غفران

فى شهر يوليو الماضي, فى رحلة تاريخية غير مسبوقة, زار رئيس الكنيسة الكاثوليكية قداسة البابا فرنسيس كندا لتقديم الاعتذار وطالبا الصفح والأمل فى المصالحة لدور الكنيسة الكاثوليكية فى الانتهاكات التى تمت فى مدارس السكان الأصليين.

وصف البابا فرنسيس زيارته لكندا بأنها حج للتكفير عن الذنب. على مدى ستة أيام زار البابا مقاطعات ألبرتا وكيبيك وإقليم نونافوت الشمالى.

كان البابا فرنسيس مقعدًا على كرسى متحرك فى معظم الوقت، لكنه كان مصممًا على متابعة الاعتذار. أدى البركات والصلوات ونثر الماء المقدس فى طريقه إلى التجمعات، حيث كان ينتظره أتباعه المخلصون، وقدم قداسًا فى الهواء الطلق للآلاف، واستمع إلى أغان وطبل وزغاريد وكلمات السكان الأصليين. الأهم من ذلك أنه اعتذر أيضًا عن كيف تعاون أعضاء الكنيسة الرومانية الكاثوليكية, على الأقل من خلال لامبالاتهم, فى مشاريع التدمير الثقافى والاستيعاب القسرى التى روجت لها الحكومات فى ذلك الوقت.

كرر البابا فرنسيس نداءه فى كل محطة وقف فيها طالبا الصفح عن الإساءة التى دامت لسنين. قال: لقد جئت إلى وطنكم لاُعبِر شخصيًا عن حزنى، وأطلب مغفرة الله والشفاء والمصالحة والتعبير عن قربى لكم والصلاة معكم ومن أجلكم. وفى مناسبة أخرى قال: أنا آسف. أطلب المغفرة لا سيما فيما يتعلق بالطرق التى تعاون بها العديد من أعضاء الكنيسة والمجتمعات الدينية فى مشاريع التدمير الثقافى والاستيعاب القسرى.

كانت المدارس الداخلية إلزامية، وتدار من قبل الحكومة الكندية والسلطات الكاثوليكية.

كان أطفال السكان الأصليين يؤخذون بالقوة من ذويهم فى ظل سياسة استعمارية مشينة. بين ١٨٦٣ و١٩٩٨ أكثر من ١٥٠ ألف طفل وُضعوا فى مدارس كانت بمثابة مستعمرات. نظرًا لعدم السماح للأطفال بالتحدث بلغتهم أو ممارسة ثقافتهم، وتعرض الكثير منهم لسوء المعاملة والايذاء، فقد كانت سياسة ترقى الى مستوى الإبادة الجماعية. يتردد صدى تأثير هذه المدارس حتى اليوم. كما كشفت التحقيقات الأخيرة النقاب عن العديد من مواقع فى محيط المدارس بها المئات، إن لم يكن الآلاف، من قبور لأطفال بدون تحديد لهوية الرفات.

مؤخرا توالت الاعتذارات للسكان الأصليين من قبل الحكومة الكندية والكنيسة. فى ٢٠٠٨ ستيفن هاربر, رئيس وزراء كندا آنذاك, اعتذر علنًا عن عواقب المدارس الداخلية. ثم أقرت لجنة الحقيقة والمصالحة الكندية التى أُنشئت فى ٢٠٠٨ بالتاريخ المؤلم الذى عانت منه الشعوب الأصلية، وتعهدت بدعم المتضررين.

فى أبريل ٢٠٢٢ ذهب وفد من السكان الأصليين الكنديين إلى روما ليطالبوا الكنيسة بالاعتذار، واعتذر البابا فرنسيس آنذاك ووعد بالمجيء إلى كندا. وفى كندا وسط الناجين من السكان الأصليين وعائلاتهم اعتذر مرارا. إلا أنه لم يعتذر عن الدور المؤسسى للكنيسة الكاثوليكية فى النظام، قائلاً بدلاً من ذلك: إنه عمل عدد قليل من الأفراد أو الجهات السيئة. دفع هذا البعض إلى الاعتقاد بأن اعتذاره لم يكن كافياً فبعضهم يعتبر دور الكنيسة محرضًا على الأعمال الوحشية. أوضحت الحكومة الكندية أن اعتذار البابا فرانسيس للشعوب الأصلية عن الانتهاكات فى المدارس الداخلية التى أدارتها الكنيسة لم يكن كافياً.

يتوقع السكان الأصليون فى كندا المزيد من الكنيسة الكاثوليكية ويريدون أفعالاً ملموسة وليس كلمات فقط. إنهم يريدون تسلم سجلات الكنيسة عن أولئك الذين فُقدوا فى المدارس وتمويل البرامج العلاجية للناجين وتسهيل التحقيقات مع المسئولين عن الانتهاكات.

التسامح شيء والنسيان شىء آخر تمامًا، والبعض غير قادر على فعل أى منهما. لا يمكن للشعوب الأصلية التخلص من الماضى ببساطة والتغلب على ما حدث لهم، لأن الألم لا يزال حيا والماضى لا يزال إرثا مروِعا. بالنسبة للناجين من المدارس الداخلية، بغض النظر عن عدد المرات التى تم فيها تقديم اعتذار صريح, فإنه لا يزيل الألم. ومع ذلك كانت زيارة البابا استثنائية، وستلعب دورًا مهمًا لمحو الذكريات الأليمة، وعلى الرغم من الألم والتاريخ الاستعمارى الذى لن يُمحى أبدًا فإن اعتذار البابا للناجين من المدارس الداخلية فى كندا هو خطوة أساسية نحو المصالحة، ويستحق الاقتداء بضحايا آخرين فى جميع أنحاء العالم وفى الأماكن الأخرى وقعت فيها كوارث إنسانية.

على نمط ما فعله البابا فرنسيس عن طيب خاطر ياليت الولايات المتحدة تعتذر عن القصف النووى لمدينتى هيروشيما وناجازاكى اليابانيتين الذى شوه وقتل أكثر من ٢٥٠ ألف يابانى. ليت الإسرائيليين يعترفون بالفلسطينيين وحقوقهم. الآلاف من الكوارث تستحق نفس التكفير عن الذنب.

يمكن للاعتذار أن يصحح الخطأ حتى بعد مئات السنين. من هذا الجانب كانت زيارة البابا إلى كندا حدثًا تاريخيًا بالغ الأهمية.


لمزيد من مقالات د. عزة رضوان صدقى

رابط دائم: