رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الأزمة الأخلاقية لمشروع الحداثة

عندما يغوص الإنسان فى النصوص التى أفرزها الفكر البشرى عبر العصور؛ بدءاً من حضارة الفراعنة والإغريق، حتى الآن، فإنه يقف ثابتاً أمام روعة الفكر الأخلاقى وتألقه وفيضه الإنسانى المتدفق. لا يصادف القارئ لهذه النصوص إلا ما يبهج الروح، ويحض الخيال إلى تصورات مثالية تمنحه لحظات سعادة حتى يعود إلى حياته الطبيعية. ينصب الحديث فى هذه النصوص على المثل العليا، والفضائل التى تتحلق حول الفضيلة العليا للعدل والانصاف، والوسطية، والزهد والتجرد عن الهوى والميل، وإعلاء شأن الواجب والمسئولية الأخلاقية، والبحث فى الذات عن الإرادة الخيرة، والدعوة إلى التعاون والتكاتف وإلى فناء الذات الفردية فى الذات الكلية للمجموع، واتخاذ التدبر العقلى والممارسات الخالية من المصلحة وسيلة لبلوغ الصالح العام الذى بدونه لا يستقيم شأن العمران البشري.

ولقد تواكبت هذه الإضاءات الفكرية العظيمة مع إضاءات فنية تم نحتها أو تشكيلها بالحجر وبالألوان، ولقد كان جلها يحمل رموزاً أخلاقية تؤشر على مركزية الإنسان فى الكون، وعلى الجمال كمؤشر للسمو الأخلاقي، وعلى بعث الأمل فى النفوس من أجل مستقبل أفضل للإنسانية. ونستطيع أن نتلمس كل هذه المعانى فى أى نقش أو تمثيل أو تشكيل تكشفه بجلاء لوحة الموناليزا للناظر إليها من أى اتجاه، وكأن آفاق الدنيا مفتوحة لكل الآراء والأفكار والأجناس على سواء. ثمة هنا فى الفنون إضاءات تود أن تأخذ الإنسان إلى عالم المثل، وأن تجعله يتخلى عن كل صور الاستبعاد والاستغلال والتعالي، وأن يؤسس عمرانه على مبادئ أخلاقية راسخة.

ولكن هذا الأمل لم يتحقق قط فى المشروع الحداثى العالمي؛ فقد أصبح العالم الآن يسير وفقاً للقواعد المعولمة التى طورها كأدوات للحكم. لقد تولد كثير من الأفكار والفنون التى أشرنا إليها فى رحم هذا المشروع. وقد يصح القول إن مشروع الحداثة قد استفاد من هذه الأفكار، ويمكن حصر هذه الاستفادة فى جوانب ثلاثة: تطوير نظم للحكم تقول إنها تتأسس على مبادئ من الحرية والديمقراطية، وتطوير بعض المبادئ المكتوبة المؤكدة للإنسانية، والمراجعة النقدية الدائمة التى اكسبت المشروع الحداثى انطلاقة تلو الأخرى، كما اكسبته آليات للتغلب على أزماته الاقتصادية المتتالية. ومع الاعتراف بذلك، إلا إننى أجادل فى هذا الحديث بالقول إن المشروع الحداثى قد انتصر كثيراً لأبعاده الاقتصادية ونأَى بنفسه عن الجوانب الأخلاقية، أو اتخذها هزواً بأن أخذ منها الشكل دون المضمون، فهندس خطابه السياسى والاجتماعى على مبادئ الحرية والمساواة والحقوق المدنية، ولكنه لم يستطع أن يقاوم قوى السوق. فقد كان الانتصار لها، وكانت السيطرة والهيمنة. فالعالم الذى نعيش فيه «يتكلبش» بتقديس السلع، والهرولة وراء الاستهلاك، وبالمصالح السياسية الضيقة التى لا تفتح آفاق العين فى كل الاتجاهات، ولا تسمع كل الأصوات، وبالتحصين خلف حدود العرق والدين وكل الأوهام القديمة والحديثة. فإذا حاولنا أن نكون صورة لهذا العالم فسوف نجد أنه أبعد ما يكون عن الأخلاقيات التى تمخض عنها الفكر والفن، بحيث يشى الأمر بأزمة أخلاقية كبرى تتربع فى جسد النسق العالمى الحديث، بحيث يبدو المشروع الحداثى وكأنه يخون فكره وفنه، ويميل نحو خلق هيمنة مضادة للفكر الحداثى والفن الحداثى ليتحول إلى مشروع تحديثى (وليس حداثياً بالمعنى المثالى للكلمة) يراكم الكم ويهمل الكيف، ويتحصن برأس المال، ويوجه عقلانية الحداثة نحو خدمة مصالح ضيقة على حساب الإنسانية.

وإذا كانت هذه هى العثرة الكبرى، فإن بوسعنا أن نجد عثرات أخرى هى التى أفضت إلى هذا الظرف المأزوم. ونستطيع هنا أن نضع أيدينا على عثرات أربع: الأولى تتعلق بالاستعمار الذى قام على تغول القوى على الضعيف دون قانون عام أو أخلاق عامة؛ لقد كان الاستعمار تاريخاً مظلماً لمشروع الحداثة، ورغم السعى الى تأسيس مبادئ لحقوق البشر، فإن المستعمرين السابقين لم يغمضوا عيونهم حتى الآن عن مستعمراتهم القديمة، والكثير منهم يعتبرها منطقة نفوذ. اما الثانية فتتصل بقضية الزنوج . لم تكن أمريكا مستعمرة، بل إنها تفتخر بأنها بوتقة انصهار للأجناس، ولكنها ولدت عثرة أشد وطأة فى تاريخ الحداثة تتعلق بعمليات استجلاب الزنوج من افريقيا واستعبادهم وتأسيس نظام للفصل العنصرى بين البيض والسود بعد أن حصل الكثير منهم على حريته، وهو نظام تم نقله إلى بعض الدول الإفريقية من خلال الاستعمار البريطاني.

وتنضاف إلى هاتين العثرتين عثرتان أخريان يمكن مشاهدتهما فى السلوك التاريخى والمعاصر للأجهزة والمؤسسات والنخب الحاكمة فى مشروع الحداثة. تتعلق الأولى بازدواجية المعايير؛ يتضح هذا بجلاء فى كثير من القرارات والتوجهات السياسية للدول، التى تجعلها تسير خلف المصلحة فتتخذ قرارات سياسية فى سياقات معينة، وتتخذ قرارات مختلفة عندما تتكرر نفس السياقات فى نفس البلد أو فى بلاد أخرى. ويؤدى ذلك إلى أن تشعر الدول النامية والدول الفقيرة فى المنظومة الدولية بقدر كبير من الظلم وعدم العدالة. ويتخلق عن هذا التوجه نحو تبنى المعايير المزدوجة، سلوك آخر أحسب أنه الأخطر على منظومة الحداثة ويشكل أحد عثراتها الرئيسة، يتمثل ذلك فى لجوء نظم الحكم الأكثر تحكماً فى منظومة الحداثة المعولمة إلى تشجيع التيارات الفكرية والتنظيمات السياسية التى تتشبع بأفكار قبل حداثية مثل الأصوليات الدينية، والحركات السياسية ذات التوجه الدينى (مثل جماعة الاخوان المسلمين)، واستخدام هذه التوجهات فى فتح ثقوب للفوضى فى كثير من المجتمعات . وكلما يستعرض المرء هذه الأمور وغيرها فإنه يتذكر الدروس التى كان يتلقاها صبياً ويتعلم منه أن الحداثة والمدنية تعنى التجرد والموضوعية، والابتعاد عن أوهام الكهف والسوق والمسرح والجنس، ولكنه عندما ينظر أمامه يرى مشروعاً عالمياً يتجافى مع كل ذلك، ويتطور إلى الأمام ليجنى ثمار المادة ولكنه يفقد رصيده وتراثه الأخلاقى الرفيع.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: