رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لماذا كل هذا الابتهاج بالفائض الحيوى؟

قد يكون مفيدا أن نعاود النظر فى شعار انظر حولك الذى تبلورت حوله حملات لتنظيم الأسرة منذ أكثر من أربعين عاما، ولا أقصد من ذلك أن نعاود تكرار نفس الحملة، وإنما أقصد أن نمعن النظر فيما نرى حولنا من فرط الطاقة البيولوجية، وما يحيط بها من ممارسات ورموز، وما توحى به هذه الممارسات والرموز من دلالات تؤشر على طبيعة وجودنا المعاصر، الذى تدهشنا فيه الكثير من المشاهدات التى تحتاج إلى تأمل ونظر. تتجلى هذه المشاهدات بشكل واضح فى الريف والأحياء الشعبية فى الحضر. نصادف هنا تنافسا فى تزويج الشباب فى سن مبكرة، مع قدر كبير من المبالغة فى إعلان الزواج، وفى إقامة الطقوس الزواجية، وما يصاحب ذلك من اتجاهات تعتبر القدرة على تزويج الأبناء والبنات جزءا مهما من إنجازات الحياة، وعدم النظر إلى الزواج المبكر (خاصة للإناث) على أنه سلوك غير مرغوب يعاقب عليه القانون فى حال ماكانت السن أقل من ثمانية عشر عاما، والفخر الشديد بالإنجاب خاصة إنجاب الذكور، والحديث الذى لا ينتهى عن الأبناء والحرص على أن يُعرف الرجل (أو المرأة) بإنجازه البيولوجى ،كما يتمثل فى تفضيل تعريفه بأنه والد (أبو) فلان أو فلانه، بحيث يُعرف الشخص بجزء من رصيده البيولوجي، والابتهاج الشديد بالعدد الكبير من الأولاد والأحفاد، وحب الظهور بصحبة الأطفال فى المناسبات العامة كالأفراح، وتقديمهم للآخرين بفرحة وسعادة بالغة، وعدم الإشارة من قريب أو بعيد إلى أى شكل من أشكال المشقة التى تصاحب إنجاب وتربية الأطفال، وكأن هذه المشقة شىء معطى مسلم به لا جدال فيها.

ورغم أن كل هذه المشاهدات تبدو عادية، كما أن من حق الأفراد أن يختاروا ما يحقق لهم السعادة. ولكن الباحث فى علم الاجتماع قد يجادل بالقول بأن هذه المشاهدات تعكس نمطا مفضلا للوجود يحتاج إلى تأمل. يبدو الوجود هنا وكأن الحياة قد فرغت من كل شيء إلا التكاثر (الفائض الحيوي)، أو بلغة أخف وكأن هذا الوجه من الحياة هو أهمها جميعا، حيث يتقدم الوجود الحيوى البيولوجى على سائر أشكال الوجود الأخرى، الوجود المهنى والعملى خاصة، بحيث يكون لسان حال المرء: “أنا أنجب إذن أنا موجود”. وقد يعنى ذلك أن التكاثر أصبح دالة على التمايز حيث يتفاخر الشخص برصيده الحيوى ويعتبر أن كثرة الإنجاب ربما يمنحه ميزة عن الآخرين الذين لم ينجبوا أو الذين أنجبوا ذرية أقل، أو الآخرين الذين لم ينجبوا ذكورا. ويستشعر هذا التوجه نحو ارتباط عمليات التكاثر البيولوجى بالتمايز الاجتماعى عندما يلاحظ المرء حجم المبالغة فى الطقوس المرتبطة بالعمليات الفرعية فى مسيرة إعادة الإنتاج البيولوجي، بدءا من قراءة الفاتحة، مرورا بالخطوبة ثم الزواج، وما بعد الزواج من طقوس. تبلغ هذه المبالغة مدى كبيرا، حيث تنفق على الطقوس الزواجية أموال طائلة قد تكون الأسرة فى حاجة إليها، بل إنها قد تكون مقترضة، وتشهد هذه الطقوس تغيرات على مدى الزمن وفى وقت قصير بحيث يبدو الأمر وكأن الناس يتنافسون فى تداول الرموز، أو أنهم يتنافسون فى عمليات متصلة من تراكم رموز التمايز؛ فالبحث عن التمايز لا يظهر هنا فى كل الأحوال بشكل مباشر فى صور التفاخر العلنى ولكنه يظهر فى شكل رمزي، يتمثل فى الطريقة التى يتم بها الاحتفال والمكان الذى يقام فيه، وحجم الأموال التى تنفق عليه، وعدد الحاضرين، وطبيعة الأحداث الغربية أو الشاذة التى يمكن أن تصدر عن بعض الشباب.

ولكن هذه القضية لها بعد آخر. فإذا كان الرأى السابق هو تأويل سوسيولوجى ربما يحمل قدرا من المبالغة، فإن هناك وجها آخر يمكن أن يأتى من جانب الناس أنفسهم، ومن المعانى التى يضفونها الإنجاب. ثمة معان ثلاثة هنا تبلورت من خلال مشاهدات وأقوال واقعية. المعنى الأول يؤكد أن الأطفال يشكلون مصدرا للسعادة بالنسبة للأسرة والأهل، وأن هذه السعادة لا تستمد بالنسبة للأسرة من مصدر آخر، ومن ثم فإن السعادة بالإنجاب تعتبر سعادة فريدة لا يعلوها سعادة. ويتصل المعنى الثانى بالقول بأن الأولاد خاصة الذكور هم امتداد للأسرة، وهم الذين يحافظون على ميراثها واسمها وهويتها. أما المعنى الثالث فإنه يؤكد أن الاهتمام بالإنجاب وإحاطته بكل هذه المظاهر يعكس طموحا لدى الآباء والأمهات بأن يكون شأنهم فى المستقبل أفضل من شأن آبائهم، وأن تكون سعادتهم أكبر من سعادة آبائهم. ورغم اختلاف هذه المعانى الثلاثة ظاهريا، فإنها تعكس معنى مشتركا مفاده أن ثمة شيئا مفقودا فى الحياة يتم تعويضه عبر التكاثر .

ومهما يكن الاختلاف فى فهم المعانى المحيطة بالظرف الذى نجادل حوله فى هذا المقال، فإن التأمل حوله، وكشف المعانى المرتبطة به سواء من ناحية الناظر من الخارج أو الفاعل فى الداخل هو تأمل ضروري. وتنبع الضرورة هنا من إمكانية التوصل إلى نتيجة مفيدة يمكن أن توجهنا نحو الأفضل والأمثل فى موضوع التكاثر. فمن المعروف أن التكاثر ضروري، وهو شرط لإعادة إنتاج المجتمع، ولكن العبرة فيه لا تكون أبدا بالكم وإنما العبرة بالكيف، وأن الجانب البيولوجى الحيوى يجب ألا يكون مصدرا لتعريف الإنسان، أو أن يكون مصدرا للتمايز والتلاعب بالرموز. فثمة مصادر أخرى للتعريف وللتمايز والتنافس (بل والتلاعب بالرموز) تأتى من إتقان العمل والتفانى فى خدمة الوطن، والقدرة على المساهمة فى الفيض الأخلاقي، والنجاح الشخصى فى الحياة (بكل ما نعرفه من صور النجاح المادى والمعنوي). وقبل كل هذا وبعده فإننا نعرف جيدا أن ثمة مبادئ عليا تحثنا على ألا يلهينا التكاثر، وأن العمل الصالح أبقى وأكثر خيرا، وقد يكون هو زينة الحياة الحقة.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: