عشية زياراتي إلى عدد من الدول في إفريقيا، أود إطلاع القراء المحترمين على الأفكار حول آفاق العلاقات الروسية الإفريقية في الظروف الجيوسياسية الحالية.
الآن تلعب الدول الإفريقية دورا متزايد الأهمية في السياسة الدولية والاقتصاد العالمي وتشارك بنشاط في تسوية القضايا المحورية الحديثة. يزداد التناغم في أصواتها على الصعيد العالمي.
تدعو روسيا دائما إلى ترسيخ موقف إفريقيا في نظام متعدد الأقطاب يستند على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة ويأخذ في الاعتبار التنوع الثقافي والحضاري في العالم. انطلاقا من هذا، نرحب بتطوير ناجح للهيئات التكاملية مثل الاتحاد الإفريقي ومجموعة شرق إفريقيا ومجموعة توسيع التنمية فى إفريقيا الجنوبية والمجموعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا والمجموع الاقتصادية لدول غرب إفريقيا والهيئة الحكومية للتنمية. نعتبر إطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية خطوة مهمة نحو الاستقلال الاقتصادي الأصيل للقارة وتحريرها النهائي من جميع ظواهر التمييز والقيود.
تعتمد العلاقات الروسية الإفريقية في جوهرها على أواصر الصداقة والتعاون. إن بلدنا, الذي لا تشوبه جرائم الاستعمار, كانت تدعم دائما وبالإخلاص مكافحة الإفريقيين بغية التحرير من الوطأة الاستعمارية وساعدت شعوب القارة في وضع الأسس للاقتصاد الوطني وترسيخ القدرة الدفاعية وتمهيد الكوادر المحترفين. اليوم، نعبر عن تضامننا مع متطلبات الإفريقيين الموجهة لإنهاء الاستعمار ونسهم في تقدم المبادرات ذات الصلة على منصة الأمم المتحدة.
لا تزال تنمية الشراكة المتكاملة مع دول إفريقيا تنضم إلى قائمة الأولويات المهمة في إطار السياسة الخارجية الروسية. إننا منفتحون لتعزيز التعاون في ضوء الاتفاقيات الإستراتجية المتخذة أثناء القمة الأولى لمنتدى روسيا – إفريقيا في نهاية أكتوبر 2019 في مدينة سوتشي.
في الوقت نفسه، أؤكد أن بلدنا لا تفرض أي شيء ولا تعلم الآخرين. نحترم سيادة الدول الإفريقية وحقها ـ غير القابل للتصرف - في تقرير مصيرها. نتمسك بمبدأ ينص على الحلول الإفريقية للقضايا الإفريقية. يختلف هذا النهج لتنمية العلاقات الدولية قطعا عن المنطق المفروض من قبل دول ممتلكة للمستعمرات الذي يمكن وصفه ب السيد - التابع ما يكرر النظام الاستعماري البائد.
نعرف أن الزملاء الإفريقيين لا يوافقون على الجهود العلنية من طرف الولايات المتحدة والأتباع الأوروبيين لإملاء إرادتها وفرضها على المجتمع الدولي ونظام أحادية القطبية. نثمن موقف الإفريقيين المتوازن من الأحداث في أوكرانيا وحولها. على الرغم من ضغط خارجي غير مسبوق لم يؤيد أصدقاؤنا العقوبات المعادية لروسيا. يستحق هذا النهج المستقل احتراما كبيرا.
بطبيعة الحال، يطلب الوضع الجيوسياسي الحالي تعديل الآليات لتعاوننا وبالأخص في مجال ضمان عمل الوسائل اللوجستية دون أية عوائق وتشغيل نظام المدفوعات المحمية من التدخل الخارجي. تتخذ روسيا مع شركائها الخطوات لتوسيع استخدام العملات الوطنية ونظم المدفوعات. نؤكد التخفيض التدريجي لحصة الدولار واليورو في التجارة المتبادلة. وندعم بشكل مبدئي إقامة النظام المالي المستقل والفعال والمنيع لتأثير دول غير صديقة.
وتصبح كذلك من أولوياتنا مهمة جلب الجهات الاقتصادية الفاعلة الروسية والافريقية الى أسواق بعضها البعض وتشجيع مشاركتها في المشاريع في مجال البنية التحتية. وننطلق من ان عقد القمة الروسية الافريقية الثانية سيسهم في تحقيق هذه المهام والمهام الاخرى. والآن بدأنا مع الاصدقاء الأفارقة في تطوير محتوياتها الموضوعية.
وتحتل مسائل ضمان الأمن الغذائي اليوم مكانا بارزا في جدول الاعمال العالمي. ونفهم جيدا أهمية الواردات الروسية للمنتجات ذات الاهمية الاجتماعية بما في ذلك البضائع الغذائية للكثير من الدول. ونفهم ان هذه الواردات تلعب دورا مهما في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وتحقيق اهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة.
وأود أن اشدد على انه لا يوجد الأساس للدعاية الغربية والأوكرانية حول تصدير الجوع من قبل روسيا. وفي الواقع ان هذا التلاعب يمثل محاولة أخرى لنقل المسئولية على الطرف الأخر وقلبها رأسا على عقب. ومن المعروف جيدا انه حتى في فترة أزمة كورونا قد حصل الغرب بشكل جماعى, باستخدام آلية إصدار العمل, على السيطرة على تدفقات السلع والاغذية وساهم نتيجة لذلك في تدهور الوضع في البلدان التي تعتمد على الواردات الغذائية. وهذا ما حدث بالضبط عندما بدأ يصعب الوضع في السوق الغذائية. وقد أدت العقوبات الغربية المفروضة على روسيا في الأشهر الأخيرة إلى تفاقم هذه الاتجاهات السلبية بشكل إضافي.
يجب على جميع أصدقائنا الأفارقة أن يفهموا ان روسيا ستواصل بضمير الوفاء بالتزاماتها في إطار العقود الدولية المبرمة في مجال واردات الغذاء والسماد والطاقة والسلع الأخرى المهمة للغاية لإفريقيا. ويقوم الجانب الروسي باتخاذ جميع التدابير الضرورية لذلك.
ستواصل موسكو ممارسة سياسة خارجية سليمة ولعب دور متوازن في الشؤون الدولية. هذا وستدافع روسيا عن التعاون الواسع المتساوي بين الدول على أساس ميثاق الأمم المتحدة, وقبل كل شيء على مبدأ المساوة في السيادة بين الدول. سنمشي قدما في تعزيز التعاون المثمر مع الشركاء الاجانب الذين يظهرون استعدادا متزايدا لذلك.
في هذا السياق نؤكد أن العلاقات الروسية الإفريقية – سواء كانت سياسية او انسانية او تجارية واستثمارية – لها قيمة ذاتية ولا تعتمد على التقلبات في الوضع الدولي. يسعدنا ان اصدقاءنا الافارقة يلتزمون بالموقف المشابه. سوف لا نكون إلا أقوى معا.
-----------------------
وزير خارجية روسيا الاتحادية
لمزيد من مقالات سيرجى لافروف رابط دائم: