شهدت العلاقات الفرنسية- المالية تدهوراً حاداً، وصل إلى مرحلة طرد الحكومة المالية للسفير الفرنسى من العاصمة باماكو، فى 31 يناير الفائت، فى سابقة هى الأولى من نوعها فى العلاقات بين الدولتين، وسيكون لها انعكاساتها على العلاقات التاريخية بين فرنسا ودول الساحل الإفريقى بشكل عام. هذا التطور، الذى أعقب الانقلاب العسكرى فى مالي، فرض تداعيات مباشرة على الدور الفرنسى فى مكافحة الإرهاب المنتشر فى منطقة الساحل الإفريقى بإعلان الرئيس إيمانويل ماكرون، فى 17 فبراير الجاري، عن الانسحاب العسكرى الفرنسى والأوروبى والكندى من مالي، مع التأكيد على الاستمرار فى مواصلة الدعم العسكرى لدول منطقة الساحل وخليج غينيا.
هذا الإعلان- الذى جاء فى أعقاب انعقاد قمة باريس- يشرح العديد من التساؤلات حول انعكاس هذا الانسحاب على مستقبل التنظيمات الإرهابية فى منطقة الساحل الإفريقى وشمال مالي، والسيناريوهات المحتملة لإعادة التموضع للقوات العسكرية الفرنسية خلال المرحلة القادمة.
دوافع الانسحاب
مع وقوع الانقلاب العسكرى فى مالي، فى 24 مايو 2021، بدأت الحكومة الانتقالية المالية فى تغيير مسارها السياسى والعسكري، سواء تجاه فرنسا أو فى مكافحة الإرهاب فى شمال البلاد، حيث كشفت تقارير عديدة عن الوصول إلى تفاهم بين الحكومتين المالية والروسية حول الاستعانة بقوات "فاجنر" الروسية شبه العسكرية، وهو ما اعتبرته فرنسا تهديداً لمصالحها وتحولاً فى اتجاهات الحكومة المالية الانتقالية.
هذا الاتجاه تزامن مع إعلان الحكومة المالية عن بدء حوار مع الجماعات المتطرفة والمسلحة فى كيدال، وهو المسار الذى يمكن أن يعطى دفعة قوية للجماعات الإرهابية فى تكثيف نشاطها ببعض دول الجوار ومنطقة الساحل، وخصوصاً من قبل تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين" التابع لتنظيم "القاعدة". هذا التغيير فى توجهات الحكومة المالية اعتبرته باريس بمثابة تهديد مباشر للقوات العسكرية الفرنسية والأوروبية المتمركزة فى شمال مالي، ما دفعها إلى اتخاذ قرار بالانسحاب العسكرى من شمال مالي.
خيارات التمركز
تعتبر مالى قاعدة الارتكاز الرئيسية للقوات الفرنسية منذ التدخل العسكرى عام 2013، فى إطار مكافحة الإرهاب تحت اسم "برخان"، حيث نشرت فرنسا آلاف من الجنود لمواجهة تمدد نفوذ تنظيمى "داعش" و"القاعدة" بشمال مالى ومنطقة الساحل. ومع إعلان الانسحاب العسكرى من شمال مالي، والذى سوف يستغرق ستة أشهر من الآن، بناءً على ما صرح به الرئيس الفرنسى ايمانويل ماكرون، بدأ الحديث عن الخيارات البديلة للتمركز العسكري، حيث يبدو أنه تم الاستقرار على النيجر لتكون قاعدة ارتكاز رئيسية للقوات الفرنسية فى منطقة الساحل، خاصة أن النيجر تُعتبر إحدى الدول التى تتواجد فيها قوات فرنسية، حيث تضم قاعدة جوية فرنسية وما يقرب من 800 عسكرى فرنسي.
وقد أعلنت هيئة أركان الجيوش الفرنسية، فى 17 فبراير الجاري، أن ما بين 2500 و3000 جندى فرنسى سيبقون منتشرين فى منطقة الساحل بعد انسحابهم من مالى خلال ستة أشهر، وهو ما ينطبق على باقى القوات الأوروبية والكندية، حيث صرح الرئيس ماكرون بأن عسكريين أوروبيين يشاركون فى تجمع القوات الخاصة "تاكوبا"، والتى يتم إعادة تموضعها إلى جانب القوات المسلحة النيجرية فى المنطقة الحدودية لمالي.
وبالإضافة إلى النيجر- والتى تعتبر قاعدة الارتكاز الرئيسية للقوات العسكرية الفرنسية- تأتى تشاد كقاعدة تموضع محتمل للقوات الفرنسية بمنطقة الساحل، بالتوازى مع احتمال إجراء عملية لإعادة الانتشار بدول خليج غينيا، وهى منطقة يتصاعد فيها نشاط تنظيم داعش"، حيث تعتبر السنغال وبنين، من بين الدول المرشحة بقوة لإعادة الارتكاز والتموضع للقوات الفرنسية.
تداعيات محتملة
تشهد منطقة الساحل الإفريقى ودول خليج غينيا نشاطاً مكثفاً وملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، وخصوصاً من قبل تنظيم "داعش"، والذى رفع مستوى عملياته الإرهابية خلال المرحلة الجارية على الرغم من مقتل زعيمه أبى إبراهيم الهاشمى القرشي، فى 3 فبراير الجاري. فبعد أسبوعين من تلك العملية التى شنتها الولايات المتحدة الأمريكية فى محافظة إدلب السورية، تمكن فرعا تنظيم "داعش" فى غرب ووسط إفريقيا من تنفيذ ما يقرب من 44 عملية إرهابية شملت دول الكونغو ونيجيريا وأوغندا والكاميرون وموزمبيق، أسفرت عن سقوط ما يقرب من 89 ما بين قتلى وجرحى أغلبهم من قوات الأمن، وهو ما يجعل منطقة غرب ووسط إفريقيا تحتل المرتبة الأولى فى عدد العمليات الإرهابية التى ينفذها تنظيم "داعش" خلال الفترة التى أعقبت مقتل القرشي، مقارنة بباقى أفرع التنظيم المنتشرة فى بعض دول العالم.
ومع الانسحاب الفرنسى من شمال مالى وإعادة التموضع فى خليج غينيا، فإن ذلك يمكن أن يساعد على تحجيم النشاط المتنامى لتنظيم "داعش" فى تلك المنطقة، مع احتمال انتقال الاقتتال بين تنظيمى "داعش" و"نصرة الإسلام والمسلمين" التابع لتنظيم "القاعدة"، إلى شمال مالي، حيث يعتبر الأخير الأقوى فى تلك المنطقة على الرغم من توقف نشاطه الإرهابى منذ صفقة تحرير الرهائن الأخيرة التى تم التوصل إليها فى أكتوبر 2020.
فى المجمل، يشكل الانسحاب العسكرى الفرنسى من شمال مالى تحدياً كبيراً ليس للقوات الفرنسية والأوروبية المنتشرة فى شمال مالى بل لباقى القوات الأجنبية التابعة للأمم المتحدة "مينوسما" والتى تضم ما يقرب من 14 ألف جندى لاتزال فى مالى بجانب قوة أوروبية (EUTM) وهى بعثة الاتحاد الأوروبى وتضم 550 جنديا لتدريب الجيش المالي، ومن ثم فإن التحدى الأهم الذى تفرضه تلك الخطوة يتمثل فى مدى قدرة القوات الأممية والأوروبية على مواجهة نشاط التنظيمات الإرهابية وبشكل خاص تنظيم "داعش"، الذى يسعى خلال المرحلة الجارية إلى الاستحواذ الجهادى على مناطق شمال مالى عبر انتزاعها من سيطرة تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين" التابع لتنظيم "القاعدة"، وهو ما يجعل الإجابة على السؤال الذى طُرح حول نتائج الانسحاب العسكرى الفرنسى من مالى مرتبطة بتطور الأوضاع على مستوى نشاط وفعالية التنظيمات الإرهابية، وبشكل خاص تنظيم "داعش" فى منطقة الساحل والصحراء الإفريقية بشكل عام.
لمزيد من مقالات أحمد كامل البحيرى رابط دائم: