أثار انتباهى وحماسى متابعة الحديث الأخير للرئيس عبد الفتاح السيسى فى إطار مصارحته للمجتمع ومؤسسات الدولة ببعض المشكلات ومظاهر التقصير. ليس الأمر جديداً تماماً لأن عبارة شبه الدولة ما زال يتردد صداها فى الآذان والعقول لتبقى أكثر العبارات شجاعة سيذكرها التاريخ لرئيس مصري. لا أخفى إعجابى بهذه المصارحة والشفافية بشأن قضية التفكير المؤسسى فى مجتمعنا، فكل قرار أو فعل هو نتاج تفكير ما. والعبارة التى لخصت الموقف بأكمله هى أن البعض يبحث عن البقاء فى المنصب بأكثر مما يقلقه المصلحة العامة. كان بوسع رئيس يتحمل مسئولية أكبر وأهم وأعقد دولة فى المنطقة أن يلجأ إلى المسكّنات والحلول المؤقتة، كأن يوزّع مثلاً على المواطنين مئات المليارات التى أُنفقت على مشروعات تنموية استراتيجية كبرى قانعين بأن نعيش اليوم بيومه فى انتظار المعجزات والخوارق التى لن تأتى أبداً لأنها تجافى منطق الأسباب والنتائج.يحلو لنا أن نردد فى وعظ مقولة رئيس الوزراء البريطانى السابق ونستون تشرشل أثناء الحرب العالمية الثانية التى خرجت منها بريطانيا العظمى مثخنة الجراح وهى إنه ليس لدينا ما نقدمه غير الدم والتعب والدموع والعرق،لكننا نضن بشحذ الإرادة واستنهاض الهمم فى وقت نخوض فيه مواجهتين الأولى هى البناء والتنمية والثانية هى قطع الطريق على من يحاولون سرقة موارد وثمار البناء والتنمية.
منذ سنوات طويلة وأنا أكتب بشأن ظاهرة الذين يؤمنون بأن للمصلحة العامة ربٌا يحميها أما مصالحهم الخاصة فهم حراسها الأشداء الذين لا تغفل لهم عين فى الليل والنهار. بالطبع هناك شرفاء لم يحصلوا من الدولة سوى على أقل القليل وكانوا أمثلة للتضحية وخوض معارك الإصلاح وحماية المال العام والغيرة على المصلحة العامة. لن أتحدث عن مسؤولين حاليين تفاديا ًلشبهة مجاملة أو تقرب بل سأتحدث عن مسؤولين راحلين مثل كمال الجنزورى رئيس الوزراء السابق وأحمد جويلى وزير التموين السابق وحسب الله الكفراوى وزير الإسكان والتعمير السابق رحمهم الله جميعاً، والمؤكد أن هناك غيرهم لا تتسع المساحة لذكرهم.
ما يؤلم اليوم أن استحلال المال العام وعدم الاكتراث بالمصلحة العامة ــ التى يقسم عليها المسئول ــ ما زال ظاهرة تدعو للقلق برغم الجهود الكبيرة للجهات الرقابية فى الدولة. بالطبع ليس هناك دولة على سطح الأرض تخلو من الفساد لكن بين فسادنا وفسادهم اختلافات كثيرة. وللحق فالفساد لدينا لا يقتصر على الفساد فى بعض المؤسسات الحكومية لكنه أيضاً فساد مجتمعى ينخر فى عظام المجتمع نفسه.
والفساد ليس فساداً مالياً فحسب لأن هناك صوراً أخرى شتى للفساد المهنى والقيمى والعلمي. بخلاف الشرفاء الغيورين على المصلحة العامة وهم موجودون لحسن الحظ هنا أو هناك ثمة بعض المسؤولين الذين يديرون مؤسساتهم بتقاليدغريبة وعدمية. 1- لا تعترف بخلل جسيم وقع فى مؤسستك حتى لو لم تكن أنت مرتكبه، ولا تعلنه وارفع مقولة لا داعى للشوشرة. 2- لا تقترب من الحلول الجذرية لمشكلاتك المؤسسية المزمنة واختر الحلول المسكّنة وعش اليوم بيومه وكن من حزب إيثار السلامة. 3- لا تحاسب المخطئين من موظفيك لأن عاقبة تذمر الكسالى والفاشلين تهدد استقرار منصبك ودع الملك للمالك. 4- تذكّر مقولة إن الذين لا يعملون هم الذين لا يخطئون أبداً، فاغلق باب مكتبك واصمت بأكثر مما تتكلم، ولا يكن لك موقف ولا تكن مبادراً وتذكّر أن للمصلحة العامة رباٌ يحميها.
حين استخدم السيد رئيس الجمهورية فى مصارحته الأخيرة وصف الكُهنة لم أجد له تعريفاً محدّداً لا فى العربية الفصيحة ولا فى العامية، ولربما يكون للكلمة أصل من لغة أجنبية. ومع ذلك فنحن نستخدم هذا الوصف أحياناً فى لغتنا الدارجة للدلالة على الشيء القديم الخرب الذى نضعه بسبب حالته هذه فى مخازن العهدة لعدم صلاحيته للاستعمال. كان المعنى المقصود الذى فهمته أن البعض قد سكت عن إصلاح المرفق الذى يديره فترة طويلة حتى أصبح قديماً خرباً لأن اهتمامه بالبقاء فى المنصب فاق اهتمامه بالإصلاح. هذا يقودنا إلى تأمل إحدى الظواهر السلبية فى حياتنا وهى ظاهرة بطء وطول زمن تحوّل الفكرة إلى فعل فى حياتنا،وهى ظاهرة طالما حيرتنى كتبت عنها من قبل ومازالت تحتاج إلى الكتابة. فى المجتمعات الحية المتقدمة يُقاس زمن تحوّل الفكرة إلى فعل على أرض الواقع بالأيام أو الأسابيع أو الشهور، أما لدينا فهذا الزمن يُقاس بالسنوات الطويلة. دورة تحول الفكرة إلى فعل فى مجتمعاتنا دورة طويلة بطيئة كسول تحتاج إلى تفسير عميق ثقافى واجتماعى وربما نفسى أيضاً.
من السهل لمن يتأمل أحوال المجتمع المصرى أن يكتشف أنه لا تنقصنا الأفكار المهمة والجديدة وأحياناً العبقرية. فلدينا كثير من الكتابات الجادة المتعمقة التى تطرح حلولاً لمشاكلنا وأزماتنا، لدينا مؤسسات ومراكز أبحاث، توصيات ومؤتمرات لا تنقطع، دراسات وتقارير وأبحاث تحتشد بأفكار جديدة. كان لدينا كنز من الدراسات والبحوث فى لجان مجلس الشورى القديم وفى المجالس القومية المتخصصة. ويكفى أن نطالع اليوم بيانات وأرقام وتحليلات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار لنحصل على تشخيص شامل ودقيق لواقع مجتمعنا فى شتى المجالات وأولها التعليم. وحين نتابع إحدى ندوات مكتبة الإسكندرية وغيرها من المؤسسات الثقافية والفكرية تتجلى حلول ورؤى للكثير من قضايانا وأزماتنا. هل معقول مثلاً أن يكون لدينا قانون وهيئة لمحو الأمية منذ عام 1992 وسبق أن أعلنت الدولة فى عام 1989 أن العشرية المقبلة هى للقضاء على الأمية أى أنه كان يجب إنجاز ذلك منذ ربع قرن من الزمان تقريباً ثم لا تزال نسبة الأمية 25.8 % وفقاً لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار فى حين أن دولاً أخرى غيرنا قضت على الظاهرة فى عدة سنوات؟ أليس غريباً أن يعلن أحد وزرائنا بتباه أننا نجحنا فى محو أمية 410 آلاف مصرى خلال 2020/2021 ناسياً أننا بهذا المعدّل سنحتاج إلى 65 سنة أخرى للقضاء على الأمية!.
السؤال المحيّر كيف تكون لدينا أفكار وحلول وأدمغة عظيمة ومواهب شابةومازالت دورة تحوّل الفكرة إلى فعل فى بلادنا بطيئة إلى هذا الحد؟ هل يكمن التفسير فى أزمة اختيار بعض القيادات والمسؤولين؟ هل نفتقد العزيمة والهمّة؟هل نخاف من الإصلاح والتحديث؟ العجيب أن الشعب المصرى أثبت فى تاريخه القديم والحديث همة وجسارة تثيران الإعجاب. ولا يمكن تفسير بناء الأهرامات وحفر قناة السويس وتشييد السد العالى وإنجاز عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف فى حرب أكتوبر 1973 وإطلاق أكبر حركة تنمية عرفها تاريخنا الحديث إلا بفضل ما تحلى به المصريون من الهمة وروح التحدي.
خلاصة الأمر أننا نحتاج إلى القيام بمراجعات كبرى نبدأ فيها بأنفسنا كأفراد فى مجتمع بقدر ما تقوم بها السلطة. ولعلّ حديث رئيس الجمهورية بأسوان مؤخراً كان نموذجاً لهذه الروح الجديدة، فالإصلاح فى تحدياته ونجاحاته ليس عبء شخص واحد بل هو تيار جماعى جارف يجب أن يشمل مؤسسات الدولة وثقافة المجتمع أيضاً.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم رابط دائم: