رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أربعة أدوار لأربع مؤسسات لاستنهاض لغتنا الوطنية

أصدرت اليونسكو فى 2012 قراراً باعتبار 18 ديسمبر من كل عام يوماً عالمياً للغة العربية. والقرار هو اعتراف بمكانة لغة الضاد فى تاريخ الثقافة الإنسانية. وهو دور لم يقتصر على حركة الأدب والشعر والفكر وعلوم أخرى أنتجتها القريحة العربية بل امتد ليشمل حركة ترجمة واسعة للفلسفة اليونانية إلى العربية لتكون بذلك لغة وسيطة فى حركة الترجمة العالمية فى العصر العباسي. وما كتبه المستشرقون الغربيون والمتخصصون فى اللسانيات عن اللغة العربية أمر يلفت النظر بشدة على ثراء لغة الضاد وعمق تجذرها كإحدى أعرق اللغات الحية فى العالم. والعربية ليست فقط لغة القرآن الكريم بل هى اللغة الشعائرية التى تؤدى بها الصلوات فى العديد من الكنائس المسيحية العربية، وكانت أيضاً فى وقت من الأوقات لغة لأهم الكتب الدينية اليهودية. واللافت أن العربية لغة إنسانية تجاوزت حدودها القومية وجغرافيتها السياسية فتسمعها الأذن فى تركيا والسنغال والهند وبلدان آسيوية وإفريقية عديدة. هى إذن لغة عابرة للحدود والقوميات والجنسيات لتضارع بذلك اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية.

لهذا يحار المرء ويتساءل كيف يكون لدينا لغةُ تتسم بكل هذا الفيض من العراقة والثراء وتجسد ركناً صلباً وعميقاً من هويتنا وأمننا القومى ثم تتعرض لهذا الهوان ولا أبالغ إن قلت الازدراء على يد أبنائها؟ ما سبق قوله وأكثر منه نردده كل عام فى اليوم العالمى للغة العربية حتى أصبحنا فى هذه المناسبة مشتتين بين شعورين متناقضين شعور الاحتفاء بلغة تفتحت عليها آذاننا وعيوننا ووجداننا وهويتنا، وشعور آخر بالرثاء لما آلت إليه أحوالها من تراجع وتدهوّر. وبين الاحتفاء والرثاء تدور معظم كتاباتنا فى هذا اليوم من كل عام. لكاتب هذه السطور فى هذا المكان نفسه من الأهرام مقالات كثيرة عن اللغة العربية، ولهذا فكرت أن تنطلق كتابتى اليوم من السؤال التالي: ما هى المؤسسات المعنية بأكثر من غيرها بإنقاذ اللغة العربية من عثرتها؟ وما هى الأدوار المنوطة بهذه المؤسسات؟

أولا- مؤسسة التعليم. دعونا نعترف بصراحة أن الدور الذى تقوم به مدارسنا فى تعليم اللغة العربية يحتاج إلى مراجعة وتصويب وربما تثوير. وإذا كانت التقارير الدولية تصنف جودة التعليم قبل الجامعى فى مصر فى ذيل القائمة، فإن تعليم اللغة العربية لن يختلف عن هذا التصنيف إن يكن أسوأ. المفارقة المحيّرة هنا أن واقع اللغة العربية فى بلدان مثل موريتانيا يبدو أفضل من بلادنا ويتحدث الناس هناك العربية بطلاقة ملحوظة مع أن موريتانيا ليست من الدول المتقدمة فى نظامها التعليمي، وفى دول عربية أخرى يجيد الطلاب ومتخرجو الجامعات أكثر من لغة أجنبية دون أن يكون هذا على حساب اللغة العربية. هذا يعنى أن هناك خطأ ما فى تدريس اللغة العربية فى مؤسساتنا التعليمية.

كثيرة هى الأسباب التى تفسر أزمة تعليم اللغة العربية، فمؤسسة المدرسة تنازلت فعلياً عن دورها لمصلحة مؤسسة الدروس الخصوصية، وقد أضحت بالفعل مؤسسة تعليمية موازية. وهذه مؤسسة لا يهمها التعليم أو التعلم بل تنشغل بفن اجتياز الامتحانات. يحدث هذا رغم جهود وزارة التربية والتعليم، لأن ظاهرة الدروس الخصوصية هى نتاج ثقافة أسرية بقدر ما هى نتاج إخفاق مؤسسة التعليم الرسمي. أما مدارس التعليم الخاص والأجنبى والدولى فهى تزيد من واقع تعليم اللغة العربية تعقيداً. ومنذ قرر وزير التربية والتعليم السابق د. أحمد زكى بدر التصدى بشجاعة وغيرة وطنية لظاهرة عدم تدريس اللغة العربية والتربية القومية فى المدارس الخاصة والأجنبية ولم يقّدر له الاستمرار فى منصبه طويلاً فإن موقف هذه المدارس من تعليم اللغة العربية يبدو غامضاً ومتقلباً، ويكاد يمثل حالة ازدراء للغتنا الوطنية مع أنها تعمل على أرض مصرية وطلابها مصريون!

ثانياً- مؤسسة التشريع مطالبة أيضاً بالتدخل لحماية لغتنا الوطنية. صحيح أن التشريع وحده ليس هو الحل لكن يمكن له فرض حد أدنى من احترام اللغة وحمايتها. والواقع أن تشريعات حماية اللغات الوطنية ليست بدعة بل توجد فى العديد من دول العالم. دولة مثل فرنسا أصدرت فى عام 1994 قانوناً شهيراً لحماية اللغة الفرنسية يُنسب إلى وزير ثقافتها آنذاك جاك توبون وذلك استناداً إلى تعديل دستورى فى فرنسا عام 1992 ينص على أن الفرنسية هى لغة الدولة. يلزم القانون الفرنسى كتابة أسماء المحال وملصقات الإعلان فى الشوارع باللغة الفرنسية، وفى حال كتابتها بالإنجليزية فيتم تحديد مقاس وحجم الحروف المستخدمة بشكل أصغر. أما الوضع فى بلدنا فيتسم بعشوائية واجتراء إذ يكفى الدخول إلى أحد الأسواق التجارية الكبرى لنجد طوفاناً من المحال الأجنبية المزدانة بأسماء أجنبية. معظم إن لم تكن كل الإعلانات العقارية للشركات الكبرى والكتيبات التسويقية التى تصدرها مكتوبة باللغة الإنجليزية وليس فيها حرف عربى واحد! فى أى بلد آخر يحدث هذا ويتباهى الناس بازدراء لغتهم الوطنية؟

ننسى من أسف حقيقة أنه لا توجد نهضة علمية كبرى فى دولة ما تمت بغير لغتها الوطنية، ولنا فى الصين وكوريا الجنوبية وغيرهما أمثلة على ذلك. وليس صحيحاً بالمرة أن دعم اللغة الوطنية وحمايتها يعنى التقوقع والانكفاء على الذات والتخلف عن ملاحقة التطور، لأن ثنائية اللغة أمر ممكن وواقع قائم فى العديد من الدول التى تعتز بلغتها وهويتها بقدر ما تنفتح على اللغات الأخرى.

ثالثاً- مؤسسة مجمع اللغة العربية يمكن بل يجب أن تكون القاطرة التى تقود حماية وإثراء وتطوير اللغة العربى. للمجمع اللغوى العريق ولرئيسه الأكاديمى والمفكر الكبير د. صلاح فضل دور بل أدوار منشودة لعلّ أكثرها أهمية وإلحاحاً هو مناقشة مناهج تعليم اللغة العربية وطرق تدريسها بالتعاون مع المؤسسة التعليمية. تدريس اللغة علمٌ مثل كل العلوم التربوية، والعالم كله يشهد ثورات فى طرق وآليات تدريس اللغات ربما كنا بعيدين عنها. ومن المفارقة أن بلداً مثل الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بعض جامعاتها بتدريس اللغة العربية بطرق ومناهج عصرية والقائمون عليها بالمناسبة خبراء وأساتذة عرب!

أملنا كبير أن يضع مجمعنا اللغوى ضمن أولوياته قضية تعليم اللغة العربية فى مدارسنا سواء من حيث اختيار المناهج والمقررات المناسبة أو من حيث طرق وآليات تدريسها، فقد ثبت أن المناهج وطرق التدريس الحالية كانت جزءاً من أزمة العربية بأكثر مما كانت حلاً. والمؤكد أن مجمع اللغة العربية بعلم وخبرة أعضائه وما يضمه من لجان يمكنه أن يفعل الكثير بالتعاون مع الجهات الأخرى المعنية. يبقى سؤال أكبر لا أملك الإجابة عليه وهو ما إذا كان بمقدور مجمع اللغة العربية اقتحام الموضوع الدقيق الشائك الخاص بتبسيط اللغة العربية وقواعدها دون المساس بأصولها؟

رابعاً- للإعلام والفن دور بالغ الأهمية والعمق. فالإعلام عموماً والمرئى بوجه خاص مطالب بإعادة الاعتبار والجدية لمن اختاروا أن تكون اللغة أداة أساسية لممارسة مهنتهم. لا بد للمؤسسات الإعلامية ونقاباتها ألا تجيز ممارسة المهنة أو منح عضويتها إلا لمن يجتاز دورات جادة لإتقان العربية يلحقها اختبارات جادة لقياس إجادة اللغة. أما دور الفن فيستحق حديثاً خاصاً. فالأغنية التى تطرق آذان الناس طوال اليوم يمكن أن ترتقى باللغة ويمكن أن تهبط بها.

-----------------------

> أستاذ القانون الجنائى ــ جامعة الإسكندرية


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: