شهدت شرم الشيخ الأسبوع الماضى المؤتمر التاسع للدول الأطراف فى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بالتعاصر مع اليوم العالمى لمكافحة الفساد فى 9 ديسمبر. وكان لكاتب هذه السطور شرف المشاركة مع الوفد المصرى فى جولات التفاوض على الاتفاقية فى مدينة فيينا بالنمسا خلال عامى 2001-2003. والحقيقة أن بعض ما شهدته هذه المفاوضات جديرٌ بأن يُسلّط عليه الضوء. اليوم وبعد 18 عاماً من إبرام الاتفاقية التى صادقت عليها مصر كيف نقيّم تطبيق الاتفاقية الأممية نفسها؟ وإلى أى حد نجحت جهود مكافحة الفساد فى مصر؟
عن سؤال التقييم فالواقع أن اتفاقية مكافحة الفساد لم تعد كما كانت الاتفاقيات الدولية فيما مضى ذات قوة أدبية بلا آليات للتنفيذ مسايرةً لانطباع عام عن القانون الدولى بأنه قانون بلا أسنان. الآن تطوّر مفهوم الاتفاقيات الدولية وأصبح العديد منها يمتلك آليات للتنفيذ، وتُعقد مؤتمرات دورية لمراجعة هذا التنفيذ من جانب أطراف الاتفاقية. صحيحٌ أن الأمر لا يخلو من واقع ازدواجية وتسييس تطبيق القانون الدولي، لكن ظاهرة الاتفاقيات الدولية المقترنة بآليات للتنفيذ تبدو اليوم أمراً ملحوظاً. وفى هذا الإطار تأتى الدورة التاسعة لمؤتمر الدول الأطراف فى اتفاقية مكافحة الفساد الذى استضافته مصر.
قد لا يتوافر لاتفاقية مكافحة الفساد حتى الآن ما توافر للاتفاقيات الخاصة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب مثل مجموعة العمل المالى FATF التى تصدر قوائم دورية منتظمة بأسماء الدول غير المتعاونة فى مجال مكافحة غسل الأموال. ومن بين هذه القوائم ما يُعرف بالقائمة السوداء التى تخضع الدول المدرجة فيها لتدابير صعبة فى ظل نظام مالى عالمى واحد يبدو المروق منه مكلّفاً. ومع ذلك فقد خلقت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد مناخاً دولياً إيجابياً ارتبط بنشر قيم الشفافية والنزاهة والمساءلة التى قد يكون لغيابها صلة بتمويل الأنشطة الإجرامية عابرة الحدود. ومن هنا فالالتزام بأحكام الاتفاقية أو مخالفتها أمر ينعكس إيجاباً أو سلباً على علاقة الدولة بالمؤسسات المالية العالمية وحركة التمويل الدولى عموماً.
والواقع أن اتفاقية مكافحة الفساد وبرغم ما فيها من إيجابيات ومزايا لا تخلو من إثارة بعض التساؤلات. أهم الإيجابيات هو ما استحدثته واكتسبت منه جزءاً من شهرتها هو أنها أول صك دولى شامل واسع النطاق يكرّس مبدأ استرداد الأموال المتحصلة عن جرائم الفساد من الدول المودعة أو المستثمرة فيها هذه الأموال، وهو ما يمثل بالوقت ذاته ضرباً من ضروب مكافحة نشاط غسل الأموال. والأكثر أهمية ما نصت عليه الاتفاقية من أنه لا يجوز رفض إعادة أموال الفساد بذريعة أن الجرم الذى تحصلت عنه هذه الأموال هو جرم سياسى حيث جرت العادة على أن يدفع المتهمون بأن طلب استرداد أموالهم ذو باعث سياسي. كما وسّعت الاتفاقية من مفهوم الموظف العام المحلى الذى قد تُنسب إليه الجريمة بإضافة الموظفين العموم الأجانب والموظفين الدوليين كفاعلين محتملين لجرائم الفساد.
مما يُذكر أيضاً لهذه الاتفاقية الاستجابة لمطالبة الوفد المصرى بتكريس مبدأ حماية السيادة الوطنية كنص خاص مستقل وليس حكماً فرعياً فى أحد النصوص، وتم بالفعل تخصيص المادة 4 من الاتفاقية فى فقرتين بعنوان صون السيادة، وفى المضمون بالنص على مبدأ مساواة الدول فى السيادة، وأنه ليس فى هذه الاتفاقية ما يبيح للدولة الطرف أن تقوم فى إقليم دولة أخرى بممارسة الولاية القضائية وأداء الوظائف التى يُناط أداؤها حصراً بسلطات تلك الدولة بمقتضى قانونها الداخلى.
ما زلت أذكر أيضاً المساهمة النشيطة للوفد المصرى إذ كنا من أوائل الدول التى تطالب بإدراج نص يحظر إحدى الممارسات غير المشروعة التى كانت مقنّنة للأسف فى بعض الدول الصناعية المتقدمة وهى استقطاع العمولات التى تقدمها شركات هذه الدول من الوعاء الضريبى فى إطار التنافس الذى قد تمارسه الشركات الغربية فيما بينها للفوز بالعقود والمناقصات خارج حدودها.
ورغم هذه الإيجابيات فإن هناك تعديلات مثيرة للتساؤل تمت فى اللحظات الأخيرة على المشروع الأصلى للاتفاقية. أهم هذه التعديلات هو إضعاف مبدأ إعادة الأموال المتحصلة عن جرائم الفساد إلى بلدان الأصل التى خرجت منها هذه الأموال. وبعد أن كان المشروع الأصلى للاتفاقية ينص بوضوح على إعادة الأموال المنهوبة (إلى بلدان الأصل) تم حذف هذه العبارة فى المادة 57 من الاتفاقية وحل محلها عبارة (إلى مالكيها الشرعيين السابقين). وهو مفهوم قابل للتأويل.
والواقع أن لدول كثيرة فى العالم قديماً وحديثاً قصصاً وشكاوى بشأن العراقيل والإجراءات البطيئة فى عملية استرداد الأموال المتحصلة عن جرائم فساد، بل إن الاتفاقية نفسها تجيز للدول التى توجد فيها هذه الأموال أن تستقطع نسبة منها كنفقات مالية دون أن تحدد هذه النسبة، ودون أن تشير لمصير الفوائد المالية المستحقة على الأموال المودعة وبعضها ينسحب إلى عشرات السنين.
أما عن سؤال الجهود الحكومية فى مكافحة الفساد فهو يستدعى عدة ملاحظات سريعة أولاها أن مكافحة الفساد صارت مكوّناً أخلاقياً من الشرعية السياسية للعهد الحالى بمصر، ويكفى أن عدد قضايا كشف الفساد وملاحقة مرتكبيه فى السنوات الخمس الأخيرة يزيد على ما تحقق فى أى عهد سابق. لكن مواجهة الفساد يجب ألا تقتصر فقط على الجهات الحكومية والرقابية والقضائية لأنها مهمة الناس والإعلام والبرلمان فى إطار المبادئ الدستورية والقانونية وأهمها مشروعية إجراءات الملاحقة وضمانات المحاكمة المنصفة.
الفساد واقع لا يُستثنى منه مجتمع ما. فما الفارق بين الفساد الذى نعانى منه فى بلدنا والفساد الذى لا تخلو منه دول متقدمة وديمقراطية كبرى؟ هذا سؤال دقيق لأن إجابته ترتبط بشدة بالسياسات الوقائية. سأتوقف هنا بإيجاز لاعتبارات المساحة عند فارقين أولهما يتعلق بحجم الظاهرة، فدول فى شمال وغرب أوروبا أو اليابان أو سنغافورة يبدو الفساد فيها ضئيلاً لا يصل إلى حد الظاهرة مقارنةً بالوضع فى مصر. هذه الدول تتمتع بدرجة رخاء اقتصادى ومستوى دخل فردى مرتفع. لكن هذا وحده لا يفسر كل شيء فهناك دول غنية ذات دخل فردى مرتفع وذات معدلات عالية للفساد أيضاً. إجمالاً المسألة أبعد وأعمق من ضآلة الرواتب فهى أحد (وليس كل) عوامل الفساد.
الفارق الثانى يتعلق بتجفيف منابع الفساد، وهو تجفيف أصبحت التكنولوجيا الحديثة والخدمات الإلكترونية تقوم به بديلاً عن العنصر البشري. كل هذا يتم فى الدول المتقدمة بنجاح مذهل. وهذا ما بدأت الحكومة المصرية تطبيقه بشكل يتنامى كل يوم، وبدأنا نقتحم بنجاح عصر التقاضى الإلكترونى وميكنة خدمات العدالة، وقطعنا شوطاً لا بأس به فى تطبيق التحول الرقمى للتعاملات الضريبية وغيرها، لكن التحدى القائم هو التغلب على دور العنصر البشرى المناوئ للخدمات الإلكترونية والذى لا يريد للتحول الرقمى أن ينجح، وهكذا صار التحدى تحديين أولهما تعميم الخدمات الإلكترونية فى القطاعين الحكومى والخاص بأسرع وقت، والثانى مقاومة الذين يقاومون التحول الرقمى.
----------------------
> أستاذ القانون الجنائى ــ جامعة الإسكندرية
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم رابط دائم: