رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المسار بين الاستقامة والانكسار

دار الحديث فى الأسبوع الماضى حول فكرة السير دون قطع مسافة، وقد انطلق الحديث من الإشارة إلى أهمية النموذج المثالى فى فهم المسارات الحياتية التى تستقيم فتقطع مسافات طويلة، وتلك التى تنكسر فتتقاعس عن السير أو تظل رهينة المكان. وقد تراوحت استجابات القراء الكرام على هذا الحديث بين الإشارة إلى أهميته فى تنمية الذات واكتشاف عثراتها، وبين النقد البناء الذى يشير إلى أمور مهمة، بعضها باطنة فى الحديث، وتحتاج إلى مزيد من الشرح والتوضيح.

وتدعونا هذه الاستجابات إلى أن نعاود الحديث لتوسيع رؤيتنا للموضوع وتوضيح ما بطن منها. وتجدر الإشارة بادئ ذى بدء إلى أن الانطلاق من إطار مثالى فى أى حديث يعنى بالضرورة أن السلوكيات الواقعية المتعلقة بهذا الإطار هى سلوكيات متعددة، وأن وجود هذا الإطار المعيارى له أهمية خاصة فى دفع هذه السلوكيات الواقعية نحو بلوغ أهدافها.

ولاشك أن لكل سلوك سياقا يظهر فيه، وظروفا تدفع بالسلوك إلى الوراء أو تدفعه إلى الأمام أو تعطل مسيرته، كما أن المسارات المختلفة التى يتبعها الفاعل قد تفسد عليه طريقه أو تجعله يقف يراوح المكان فقط. وأن فهم كل هذه الظروف يجعلنا قادرين على أن نفهم جوهر التعددية فى المسارات المستقيمة والمنكسرة على حد سواء، وأن نفهم أيضاً لماذا تحدث الاستقامة ولماذا يحدث الانكسار، وأن ثمة ظروفاً عديدة ومعقدة تحيط بالبشر، تؤسس لمساراتهم، فتيسر لهم الطريق أو تملؤه بالأشواك. وتثير هذه الاستنتاجات عدداً من الاعتبارات المهمة التى يمكن التنويه لها.

فمن أول هذه الاعتبارات أن المثل الأعلى للمسار المستقيم المنجز الذى يقطع مسافات طويلة، هو نموذج متعال ومفارق وقل أن تجد له نظيراً فى الحياة. يترتب على ذلك أن كل المسارات التى نعتبرها مسارات مستقيمة، هى مسارات غير مكتملة، فهى تبقى نسبية أمام كمال المثال، الذى لا يكتمل إلا عند التعالى المطلق الذى لا يتمثل إلا فى الذات الإلهية. كما أن هذه المسارات المستقيمة ذات البعد النسبى لا تخلو من انكسارات تكشف عنها تواريخ المسارات بما فيها من عثرات وكَبْوات. وثمة أمثلة عديدة تدلنا على أن الطريق الذى سار فيه الكثيرون من أصحاب المسارات الطويلة البارقة لم يكن ممهداً، ونلمس ذلك بوضوح من قراءتنا للسير الذاتية التى يكتبها بعض هؤلاء (والقارئ الكريم مدعو هنا لمراجعة السير الذاتية لطه حسين (الأيام) وادوارد سعيد (خارج المكان) وغيرهما).

ومن الاعتبارات المهمة النظر إلى الطرق نفسها على أنها تكوينات لأرصدة تتراكم عبر الحياة؛ وينتج هذا التراكم عن ممارسات وترتيبات وانخراطات عملية يشكل كل منها مورداً لتوليد الأرصدة المادية والمعنوية. وعند حكمنا على هذه الأرصدة قد لا نجدها جميعاً أرصدة إيجابية بناءة. وهنا تظهر الفكرة التى نود أن نطرحها فى هذه النقطة وهى أن طول المسافة التى يقطعها المسار لا تقاس بالزمن، ولا تقاس بالأماكن التى يعبرها الشخص؛ وإنما تقاس بحجم الإنجاز الذى يقدمه، وبالتالى بحجم قدرة الفاعل على أن يتجاوز أى انكسارات يمكن أن تعطل المسيرة. وبذلك يمكن القول إن لكل مسيرة جانبين أحدهما موضوعى يتمثل فى الاسهامات والتراكمات الملموسة (إيجابية أم سلبية)، والآخر ذاتى يتمثل فى حجم الصلابة والصمود أو الجلد الذى يحايث المسيرة ويلازمها. وعلى هذه الخلفية نستطيع أن نصنف المسيرات الحياتية وأن نحدد لها مؤشرات قياسية، وأن نضعها على متصل يبدأ بالمسيرات التى لا تفعل شيئاً فى المكان إلا الركض الدائم فيه، وانتهاءً بالمسيرات المنيرة التى تترك أرصدة إيجابية بناءة ذات أبعاد مادية أو معنوية أو رمزية، ومروراً بأشكال متعددة من المسيرات التى تطول أو تقتصر حسب الأرصدة التى تنتجها. ولكن هذه الشطحات المثالية يجب ألا تجعلنا نغض الطرف عن اعتبارات أخرى تتصل بالسياق أو بطبيعة المشكلات الحاضرة فيه. وأحسب أن هذا من أهم الاعتبارات التى يجب أن تحظى بقدر من الاهتمام ونحن نقترب من نهاية هذا الحديث. إن المسار يحدث فى سياق خاص وعام، فهو محاط بعلاقات وأطر ثقافية حاكمة، كما أنه محاط أيضاً ببشر آخرين، وبطموحات وآمال، وامكانات مادية ومعنوية. ولاشك أن كل هذه الظروف تؤثر تأثيراً كبيراً فى دفع حركة المسار إلى الأمام أو إلى الخلف، أو تجعلها تركد فى مكانها ساكنة مطمئنة إلى هذا الركود. وفى ضوء هذه الظروف يظهر الافتراض القائل بأن السياق يمكن أن يفسد على الفاعل، طريقه ومسيرته، ويمكن أن يفسح له المجال للانطلاق. ومن أهم ظروف السياق العلاقات التى يدخل فيها الفاعل سواء كانت علاقات شخصية أو علاقات عمل، وطبيعة المشكلات والحوارات التى تتأطر عبر هذه العلاقات، وما يترتب عليها من قوى دفع إلى الأمام أو سحب إلى الخلف. فثمة فرق كبير بين أن تجد الأقوال والأيادى التى تحضن والأيادى والأقوال التى تهدَّ. وبجانب العلاقات الشخصية والعامة، يمكن أن نفكر فى الأطر الثقافية المحيطة بالإنسان، القيم والعادات والتقاليد والأحكام العامة ودرجة الانضباط الأخلاقى، إن هذه الأطر هى التى تخلق الجو العام، الهواء المعنوى الذى يتنفسه البشر، والذى يخلق فى أفئدتهم الأمل أو يدفعهم إلى الاغتراب وعدم الاكتراث. ومن الأمور المتعلقة بالسياق أيضاً الأمور الشخصية المتصلة بإمكانات الفاعل ورأس ماله الاجتماعى وحجم وعدد الطموحات التى يحملها. وفى هذا الصدد لابد من وجود توازن قوى وناضج بين الامكانات والطموحات، وهذا التوازن هو الذى يعمل على بلورة المسارات الصحيحة والمستقيمة، أما إذا اختلت العلاقة فإن المصير معروف وهو النزول فى بطن الأسد، إذ أخذنا بالمجاز الذى يصور العلاقة بين الإمكانية والطموح على أنها علاقة بين فكى أسد. وعلى هذه الخلفية، فإذا كان على المرء منا أن يعمل على تجبير (أعجبت بهذه الكلمة التى استخدمها أحد القراء النابهين) مسيرته إذا ما أصابها الانكسار، فإنه يمكن أن يجبر ظروف السياق إذا تحولت إلى ظروف مثقوبة. وفى كل الأحوال فإننا يجب أن نختم بالتنويه إلى الدرس من وراء كل هذا الحديث والذى يتمثل فى أهمية النظر فى أنفسنا، وفى سياق معاشنا، ونواتج سلوكنا، ومسارات حياتنا، وأن نعمل قدر المستطاع على تجبير ما ينكسر منها، هذا إذا لم نشأ أن نبدلها بالجملة.


لمزيد من مقالات د.أحمد زايد

رابط دائم: