فى مدينة دمنهور تلقيت تعليمى الابتدائى والإعدادى والثانوى، وفيها اكتسبت تربيتى وقيمى، ولى فيها أصدقاء من أجمل وأنبل من عرفت. ولهذا كان لنبأ القبض على رئيس جامعتها لاتهامات بالفساد المالى والوظيفى وقعٌ خاص أعادنى عقودا إلى الوراء. أدرك بالطبع أن كل متهم برىء حتى تثبت إدانته، وربما يردد البعض مقولة السيد المسيح فى الآية 7 من الإصحاح الثامن «من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر»، لكن فى النهاية نحن هنا أمام قضية عامة لا شخصية. قضية توجب مسئولية الكلمة أن نناقشها لا أن نتجاهلها بهدف استخلاص الدروس المستفادة.
لكن قبل استخلاص الدروس المستفادة مما حدث فإن التحية واجبة أولاً للحملة الصحافية التى قامت بها صحيفة أخبار اليوم من خلال الأستاذ رفعت فياض الكاتب الصحافى الذى لم يكل ولم يمل على مدى خمس سنوات مضت من الحديث عما يحدث فى جامعة دمنهور. والتحية واجبة ثانياً لهيئة الرقابة الإدارية الساهرة على أشرف معارك الإصلاح والنهوض بالوطن وهى معركة مكافحة الفساد الذى لا يقل فى بشاعته وضراوته عن الإرهاب، وكلاهما يمثل انتهاكاً لعدد كبير من حقوق الإنسان ً. والواقع أن إنجاز هيئة الرقابة الإدارية فى السنوات الأخيرة قد يُذكّرنا وبأسى بالفساد الكامن هنا أو هناك لكنه أيضاً يفتح طاقات الأمل فى تأسيس دولة القانون وأن الجهات الرقابية لم تعد تنتظر الأضواء الخضراء لكى تضطلع بواجبها وتُظهر ملفاتها كما كان يحدث فى حقبة الثلاثين عاماً إياها.
التحية واجبة ثالثا لأول رئيس جمهورية فى تاريخ بلادنا يصارح مواطنيه ويدعو إلى تصحيح ثقافة المجتمع ومؤسسات الدولة معاً مما تراكم فيها عبر السنين من سلبيات أعطاها فى شجاعة منقطعة النظير وصف شبه الدولة. هذا الرئيس المنحاز لقيم الجدية والاستقامة والنزاهة والذى شهدنا فى سنوات حكمه مقارنةً بمن سبقه من الرؤساء أكبر عدد من حالات الكشف عن الفساد. ولم يستثن من عدالة الدولة الحازمة وزراء أو محافظون أو قضاة أو رجال أعمال، وها هى المرة الأولى فى تاريخ مصر وعلى مدى مائة عام التى نشهد فيها القبض على رئيس جامعة متهم بالفساد. نحيى رئيس الدولة الذى صحّح ثقافة عدمية مقيتة بأن كشف الفساد يسيء إلى سمعة المؤسسة وربما سمعة مصر كلها مع أننا لو فكرنا قليلاً لاكتشفنا أن كشف الفساد هو أكبر دليل على استقامة أى مسئول وغيرته المهنية والوطنية. هذه هى روح الجمهورية الجديدة التى نحلم بها ونسعى إلى ترسيخها.
الدروس المستفادة فى واقعة جامعة دمنهور بالغة الأهمية، أما وقائع وتفصيلات ما حدث فلا أريد الدخول فيها، لأن الأمر كله أصبح بيد سلطة التحقيق وحدها تجريه وفق المبادئ والأصول القانونية. الدرس الأول هو أن رئيس الجامعة المعنيّ كان قد صعد فى سلم الترقى بشكل لافت وملحوظ من وكيل كلية فعميد لها فرئيس للجامعة خلال الخمس سنوات الأخيرة. دون تدقيق في ترشيحه لهذه المناصب بينما لم يكن ما يفعله خافياً لأن الصحافة كانت تكشف عنه أولاً بأول.
ومن المؤكد أن فى مدينة دمنهور جهات رقابية لديها الكفاءة وروح الحرص على قيم النزاهة الوظيفية وحماية المال العام. ربما أصبحت الجهات الرقابية تنوء بكم هائل من الشكاوى والبلاغات المتبادلة من جانب المتنافسين على المناصب، فتجد نفسها فى حيرة من أمرها لتفرز ما هو كيدى عما هو حقيقى لاسيّما فى مجال أكاديمى بعيد عن طبيعة عملها.
الدرس المستفاد الثانى يتعلق بما يمكن تسميته ظاهرة «تستيف الأوراق»، وهى عملية تتسم بقدر من الذكاء لطمس وجه المخالفة القانونية وإخفاء الفساد. بعض المخالفات المنسوبة لرئيس الجامعة المعنيّ التى أصبحت معروفة للكل على أى حال بما لا داعى لذكره هنا كانت تمثل نموذجاً يُدرّس لأسلوب تستيف الأوراق. بوسع المرء أن يتخيّل معاناة الجهات الرقابية وجهات المساءلة القانونية فى مرحلتى التحقيق والمحاكمة من ظاهرة تستيف الأوراق فى معرض بحثها عن الحقيقة بشأن الكثير من المخالفات القانونية فى المجال الأكاديمى أو غيره من المجالات خصوصاً فيما يتعلق بالفساد الذكي.
ظاهرة تستيف الأوراق تقترن بظاهرة التفسيرات المراوغة للوائح وقرارات إدارية داخلية لا يعرف دروبها ومسالكها الخلفية سوى أصحاب البيت القائمين على تطبيقها مستفيدين من كونها ليست قوانين ولوائح شهيرة ومعروفة. هذه لوائح وقرارات مهنية لا يعرفها إلا المنتمون إلى المؤسسة أو الجهة نفسها ولا يعرف المجتمع ولا الرأى العام أو الإعلام شيئاً عنها. لا أريد ولا أجرؤ على التعميم لكن فى ظل هذا المناخ الذى لا تخلو منه (بعض) المؤسسات الأكاديمية الحكومية أو الخاصة لا يمكن تصوّر نجاح ظاهرة تستيف الأوراق بدون جماعات متحالفة تتقاسم نفس القيم والسلوكيات وتتوزع الأدوار فيما بينها وتوظّف صلاحيات كل منها فى التستر على الفساد الذكى وجعل الجن الأزرق نفسه يحتار معها. ولعلّ شيئاً من هذا كانت وراء استمرار ما شهدته جامعة دمنهور لفترة طويلة حتى استطاعت هيئة الرقابة الإدارية أن تفك الطلاسم وتقتحم فى شجاعة أماكن كان بعض القابعين فيها يرتدون فى احتفاليتهم المنافقة المصطنعة قمصاناً كتب عليها عبارة «متحدون من اجل مكافحة الفساد»!. هكذا كان المتذاكون يستخفون بذكاء الجهات الرقابية فى كشفهم.
أما الدرس الثالث والأخير فلا علاقة له بالجهات الرقابية أو جهات المساءلة القانونية بقدر ما يتعلق بالجماعة الأكاديمية نفسها. معروفٌ أن المستويات الأكاديمية تبدأ من مجالس الأقسام العلمية ومجالس الكليات ومجالس الجامعات وتنتهى بالمجلس الأعلى للجامعات. وفى ظل مبدأ الاستقلال الأكاديمى الذى ينص عليه الدستور فإن الدفاع عن القيم والسلوكيات الجامعية القويمة، ومن باب أولى مواجهة الفساد الوظيفى إنما تقع بالأساس على أعضاء المجالس الأكاديمية الأدنى وتحديداً مجالس الأقسام العلمية ومجالس الكليات بأكثر مما يتحمل المسئولية عنها مجالس الجامعات أو المجلس الأعلى للجامعات. فهذه المجالس الأكاديمية الأدنى تمثل الخلية الأولى فى المجتمع الأكاديمى تماماً مثل الأسرة كخلية أولى وأساسية فى المجتمع كله، وبالتالى يُفترض أنها تعلم وقائع وتفصيلات كل خلل أو فساد لكنها تلوذ بالصمت وتؤثر السلامة وتشيح بوجهها عن أى محاولة للتصحيح والتقويم المؤسسى.
بالطبع مازال هناك لحسن الحظ نماذج أكاديمية من جهات وأشخاص غيورة على الصالح العام والقيم الأكاديمية، ومازال هؤلاء قدوة تُحتذى لكنهم يمثلون أقلية فى الجسد التعليمى، وبعضهم عزف عن حضور بعض المجالس الأكاديمية يأساً وإحباطاً. الملاحظ والمثير للتأمل أن هناك من يصب اللعنات على مظاهر الخلل والفساد الأكاديمى لكن فى المكالمات والجلسات الخاصة، أما فى اجتماعات المجالس الأكاديمية فإن روحاً غريبة هى التى تسود حيث لا كلمة تقال ولا محاولة تُبذل لتصحيح الأوضاع والمخالفات المؤسسية. أما من يتصدون بنخوة وضمير للدفاع عن الصالح الأكاديمى العام أو للاعتراض على مخالفات قانونية فإن محاولات التشويش عليهم والتربص بهم لا تتوقف.
ولو أن مجلس القسم العلمى أو مجلس الكلية التى كان رئيس الجامعة المعنيّ عميداً لها قبل رئاسته للجامعة قد اعترض على مخالفاته التى أزكمت الأنوف لما كانت الأمور قد تفاقمت والاجتراء على القانون قد استشرى إلى هذا الحد. والمحيّر أن مجالسنا الأكاديمية لا تخلو من شخصيات ذات خلق عظيم لكن مرة أخرى نحن نكاد نكون أمام ظاهرة موت الشعور بالصالح العام. دعونا نعترف إذن أن جزءا من أزمة القيم والسلوكيات والمخالفات الأكاديمية قد بدأت منذ انصرفنا نحن أعضاء مجالس الأقسام العلمية ومجالس الكليات عن الانشغال بالصالح العام وفقدنا الغيرة المهنية على سمعة المؤسسات التى ننتمى إليها والتى ندين بالفضل لها فيما يمكن أن نكون قد حققناه من إنجاز أو نجاح. دعونا نعترف أن جزءاً من أزمة ما شهدناه فى جامعة دمنهور، وربما فى مؤسسات أخرى قد حدث يوم تركنا لجهات رقابية من خارج الجامعة أن تقوم بحراسة القيم التى كان يجب علينا نحن أصحاب البيت الأكاديمى أن نقوم بالدفاع عنها. قد يقول قائل ولماذا التركيز على الجامعة دون غيرها؟ والإجابة البسيطة هى أن الجامعة بخلاف دورها التعليمى والعلمى هى أهم مؤسسة لصناعة الوعى والقدوة والقيم. هذه المفردات الثلاثة كانت هى السبب فى تقدم أمم وتراجع أخرى.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم رابط دائم: