تقول كوكب الشرق فى رائعة الشاعر جورج جرداق «هذه ليلتى»، فى بحار تئن فيها الرياحُ، ضاع فيها المجداف والملاحُ، غير أن رُبان هذه السطور كان ملاحًا كبيرا وعلّامة لا يتوه فى درب البحر والمحيط، وإنما عشق البحار فوهبته أسرارها، وسافر عبر المحيطات فكشفت له عن أغوارها، فصار «أسد البحار» الذى ترك آثاراً علمية عديدة فى علوم البحار، وابتكر المصطلحات العربية فى شتى العلوم والفنون التى تعتمد عليها ملاحته، ليكون واحدا من أبرز وأهم ملاحى البحار والمحيطات فى العالم، وواحدا من كبار الملاحين فى القرن الخامس عشر الميلادى.
إنه البحار العمانى أحمد بن ماجد الذى لُقب بـ «أسد البحار»، وعُرف بأنه من أشهر الملاحين فى المحيط الهندى، والذى يعد واحدا من أهم علماء فن الملاحة وتاريخه عند العرب، والمولود فى مدينة جلفار (رأس الخيمة) حاليا، وقد تلقى تعليمه الأول على يد والده ماجد بن محمد السعدى الذى كان رُباناً بحرياً، كما درس أحمد بن ماجد على أيدى عدد من خبراء شئون البحار، حيث شهد حلقاتهم ومناظراتهم على متن السفن الراسية بالموانى العمانية، معتمدا على نفسه فى استنباط قياسات النجوم ورصد مطالعها ومغاربها وحركاتها وأثرها فى المواسم البحرية.
وهو فى سن العاشرة بدأ ابن الملاح الحالم مصاحبة والده فى رحلاته البحرية وقاد تحت إشراف والده أول رحلة وهو فى سن السابعة عشرة، وتعلم البحار الصغير الفلك والرياضيات والجغرافيا جنباً إلى جنب مع التاريخ والأدب وألف أكثر من ثلاثين كتاباً أرسى فيها وأسس قواعد علم جديد هو علم البحار الذى لم يكن معروفاً من قبل كما استحدث أدوات ملاحية جديدة أهمها اختراعه «البوصلة البحرية» المقسمة إلى 22 درجة والتى لا تزال مستعملة حتى الآن.
كان أحمد بن ماجد خبيرًا فى البحار الشرقية وشواطئها، وخصوصًا المحيط الهندى وبحر القلزم (البحر الأحمر)، فهو مُنظّر علم الملاحة العربى، الذى سبق الأوروبيين فى التعرف إلى بحر الهند، وقد وضع نظريات جددت رؤية الجغرافيين القدامى إلى هذا المحيط وعللّت هبوب رياحه الموسمية، ووصفت الرياح المحلية والمد والجزر فى الخليج العربى والبحر الأحمر وبحر العرب.
اخترع ابن ماجد الإبرة المغناطيسية (البوصلة) المستعملة فى تحديد اتجاهات الرحلات البحرية، وترك آثاراً علمية عديدة فى علوم البحار جاوزت الـ40 كتاباً ومنظومة، وانتشرت مؤلفاته فى المكتبات الأوروبية، وتُرجمت إلى عدة لغات، وبُنيت عليها أساليب الملاحة الأوروبية الحديثة، وهو الربان الذى أرشد قائد الأسطول البرتغالى «فاسكو دا جاما» فى رحلته من «مالندى» على ساحل إفريقيا الشرقية إلى كالكتا فى الهند سنة 1498م فهو أحرى بلقب مكتشف طريق الهند،
ويشير إلى ذلك المستشرقون الغربيون ومنهم المستشرق البرتغالى «كتانهيدا» الذى يصف إرشاد ابن ماجد لفاسكو دا جاما إلى مالندى على الساحل الشرقى من إفريقيا شمال مدغشقر 1498 م قائلا «وصعد إلى سفينته العمانى أحمد بن ماجد وأبحر معه ليدله على طريق الهند، فهو بحار العرب الأول وربان سفينة فاسكو دا جاما».
وله ثلاثة مؤلفات بارزة فى شئون البحار، قام بترجمتها إلى الروسية المستشرق شوموفسكى، ثم ترجمت إلى العربية بعنوان «ثلاثة أزهار فى معرفة البحار» وله أيضا مؤلف «تصنيف القبلة فى جميع الدنيا» والذى ضبط وحدد فيه اتجاه القبلة فى جميع بقاع الأرض، وكذلك له كتاب «الفوائد فى أصول علم البحر والقواعد»، ضمنه فوائد جامعة فى علم البحر والإرشاد الملاحى، وقد تم اكتشاف أعمال أحمد بن ماجد فى القرن العشرين من خلال المستشرقين، ومنهم كراتشكوفسكى الذى عثر على مخطوطات لابن ماجد فى خزائن معهد الاستشراق فى (لينينجراد – بـــطرسبرج) واختار لتحقيقها تلميذه ثيودور شوموفسكى الذى صار بعد ذلك من أشهر المستعربين، وله الإسهام الأكبر فى دراسة المخطوطات وتصنيفها وترجمتها إلى اللغة الروسية ووضع سلسلة من الكتب التى جعلت المثقفين الروس يطلعون على شخصية ابن ماجد ودور العرب فى تطوير الملاحة وجغرافيا البحار.
وكانت سفارة سلطنة عمان لدى القاهرة قد عقدت ندوة خاصة مساء أمس الأول للاحتفاء بسيرة ومسيرة البحار العلامة .
رابط دائم: