رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

السير دون قطع مسافة

أسمح لنفسى فى هذا المقال أن استعير مجازاً من عالم الرياضة يتصل بمفهوم العَدْو أو الجرى أو السير، فالعدَاءُ الذى يتدرب على العَدْو السريع أو يدخل فى مسابقة رياضية، فإنه يجب عليه أن يقطع مسافة محددة، يتم تغييرها وفقاً لقدرات العدائين وسرعتهم. ويفترض فى حياتنا الاجتماعية والعملية أننا نسير أو نعدو، وتختلف مسارات السير، حيث تكون المسيرة الكبرى التى تبدأ من الولادة حتى الممات، والمسيرات النوعية فى حقول الحياة المختلفة؛ فى الأسرة والعمل والحياة المدنية، بل والمسيرات الأصغر عندما نتولى مركزاً معيناً أو مهمة معينة لها تاريخ محدد. ولا شك أن هذا الكلام ينطبق على الأفراد كما ينطبق على الجماعات والتنظيمات والمجتمعات.

وعلى هذه الخلفية قد يكون مفيداً للمجتمع أو للفرد أن يتأمل حياته، وأن يحدد فيها المسافات التى قطعها والمسافات التى لم يقطعها وأن ينظر فى حياته على نحو جلى وعميق، ليكتشف عما إذا كانت المسافات التى يقطعها طويلة أم قصيرة، وعما إذا كان السير سيرًا حقيقيًا أم أنه ضوضاء وجلبة، أو انه سير فى طرق مهدت على غير هدى أو عبدت مسارات جديدة لا تضيف شيئاً . وفى كل هذا وغيره فسوف يكتشف الفرد عما إذا كان سيره أو عدوه يقطع مسافات حقيقية أم أنه سير فى المكان.

ويدعونا ذلك إلى أن نتأمل خصائص السير الذى يقطع المسافات، وخصائص السير الذى يأخذ أصحابه فى متاهات دون قطع مسافة . ونعود مرة أخرى إلى أمثولة السباق. فعلى غرار المتسابق الذى يتدرب جيداً، وينفذ كل المتطلبات التى تحقق له بناءً جسدياً قوياً وقدرة فائقة على العَدْو، ويحدد لنفسه أهدافاً واضحة بعضها عام يتصل بمسيرته الكلية، وبعضها خاص يتصل بكل مناسبة على حدة ، يكون السلوك البشري؛ فهو يقطع مسافات طويلة عندما يكون له أهداف محددة، ووسائل واضحة، وعندما يرافقه تصميم وعزم على مواصلة المسيرة بجدة والتزام، وعدم الانخداع بالضوضاء والمظاهر والمراجعة الدائمة للذات، وتنقيتها من شوائب الكراهية والحقد. وتبدو كل هذه الخصائص وكأنها تشكل نمطاً مثالياً معيارياً قل أن نصادفه فى الواقع. فهو لا يوجد إلا فى النذر اليسير، ونصادفه عند أولئك الذين حققوا إنجازات ضخمة فى حياتهم العملية والمهنية، عند كبار الفنانين، والفلاسفة، والأدباء والعلماء الذين تركوا بصمات كبرى فى مجال عملهم؛ وعندنا منهم نماذج بارزة من أمثال طه حسين، والعقاد، وأحمد لطفى السيد، ونجيب محفوظ، وجمال حمدان ومن سار على دربهم حتى أيامنا هذه.

ورغم مثالية النموذج الذى وصفناه إلا أنه مفيد لنا ونحن نتأمل مسيرتنا، فهو يشكل المعيار الذى نصبو إليه فى وضوح الهدف واستقامة المسار الذى يقطع بأصحابه مسافات طويلة. وهذه حقيقة لا يحققها التأمل والتأويل فحسب، بل يؤكدها العلم الاجتماعى أيضاً.

نعم نحن بحاجة إلى أن نضع نصب أعيننا المعيار المثالى للإنجاز، وأن نشخصه أمامنا فى نماذج حيه من البشر. ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل نحن بحاجة أيضاً إلى أن نتأمل فى أنفسنا وأن نبحث فيها عن الأمور التى تجعلنا نذهل على القصد ونحيد عن الهدف. ولا بأس لو أنفقنا ما تبقى من هذا الحديث فى البحث عن بعض هذه الأمور. لقد أوصلنى التأمل وبعض المشاهدات الواقعية إلى بعض الظروف التى قد تدفع بالفرد أو المجتمع إلى السير فى الطريق دون قطع مسافات تذكر. قد نفكر أولاً فى الكسل عن أداء الأعمال والاستمراء لحالة الدعة والخمول التى حذر منها ابن خلدون وأكد أنها تنذر بانهيار العمران؛ وهى حالة قد تتكاثر فيها أحلام اليقظة وتسيطر على الفرد، وتدفعه إلى التطلع دون عمل، والرغبة فى أن يجوب الآفاق دون وسائل وأدوات؛ وقد تدخل الحالتان السابقتان الفرد فى حالة ثالثة من الاعتمادية على الغير فى تحقيق نجاحات زائفة أو صور من الترقى الزائف؛ وقد تتشكل هنا حالة من سوء تقدير الذات بحيث يعتقد الفرد أن ما حققه من إنجازات أو صور من الترقى هى من صنع يديه وإنتاج تاريخه، وقد يستمرئ هذه الحالة من تقدير الذات بالمغالطة، فيفقد الذاكرة متعمداً، وقد يناوئ من مدوا له أيديهم؛ ويحدث فى بعض الحالات أن يضيع الفرد وقته ووجوده فى صراعات فقيرة لا تستحق أن يضيع فيها الفرد وقته، فيناوئ زملاءه ويناصبهم العداء، ويكثر من الحديث فى شئونهم ويقارن بين فضائله الكثيرة ومثالبهم الكثيرة أيضاً، فيظل تائهاً فى ملاحم الكلام وهواتف المساء، مادحاً تارة، ناقداً تارة أخرى، وناقماً فى كل الأحوال. وغالباً ما ترتبط هذه الحالة بحالة أخرى يعمل فيها الفرد على الإعلاء من شأن نفسه وانجازاته، والتقليل من إنجازات الآخرين، والتقليل من شأن النجاحات والانجازات البارقة؛ واخيرا وليس آخرا فقد يكون الواحد منا ناجحاً فى حياته ولديه قدرات كبيرة، ولكنه يشتت جهده ووقته فى أعمال كثيرة ويخلق لنفسه اهتمامات لا قبل له بها، كأن يعمل بأعمال اخرى لا علاقة لها بمهنته ، او يبالغ فى الاستمتاع بملذات الحياة، أو يسعى إلى تملك السلطة الإدارية العليا ضارباً بمهنته عرض الحائط؛ وقد يقطع الفرد هنا مسافات ولكنها لا تكون طويلة أبداً ولا تشكل مساراً متسقاً لهدف واحد؛ فهى سير دون قطع مسافة.

إن الدرس الخالص الذى ينبثق من كل هذا الحديث هو درس يتعلق بالنمو الذاتى والتطور الشخص، الذى يجعل الفرد يسير على هدى فينتقل من مكان إلى مكان آخر قاطعاً مسافة قد تطول أو تقصر، وهى بالتأكيد سوف تطول كلما وضع أمامه النموذج المثالى والمعيارى والذى يشكل السباق الرياضى أقصى درجاته نقاءً ونزاهة.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: