رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هل لديكتاتورية الحرية الشخصية أن تصادر الأخلاق العامة؟

ثمة سجالٌ مجتمعيٌ محتدم بشأن حظر غناء عدد من الأشخاص أصبحوا مطربين فى زمن تراجع المعايير المهنية فى المجتمع. قرار الحظر الذى أصدرته نقابة المهن الموسيقية جاء على خلفية أداء أغنيات تتضمن عبارات خادشة للأخلاق العامة والذوق العام، بل ربما كانت تنطوى بعض كلماتها على ما يمكن اعتباره تحريضاً على الفجور (وهو لمن لا يعلم ما زال فعلاً مؤثماً فى تشريعات دول غربية متقدمة).

فى هذا السجال المجتمعى هناك تياران أولهما يرفض قرار نقابة المهن الموسيقية باعتبار الأمر يتعلق بالحرية الشخصية للأفراد فى سماع ما يروق لهم، وحرية المشتغلين بالفن فى التعبير الفني. التيار الثانى يؤيد قرار النقابة بالحظر حمايةً للذوق العام والأخلاق بعد انتشار ظواهر غنائية جديدة تروّج لفن هابط مبتذل ليس بالمعيار الاجتماعى والأخلاقى فقط بل بالمعايير الفنية والغنائية نفسها. يمكن رد الكثير من الآراء والحجج المتقارعة فى هذا الجدل المحتدم إلى سؤال أساسى يجب الانطلاق منه هو هل يخضع الفن كالغناء والسينما لضوابط التنظيم القانوني، سواء فى شروط ممارسته أو تقيده بقواعد الأخلاق والذوق العام أم أن الفن يعلو على التنظيم القانونى باعتباره ممارسةً للحق فى التعبير والإبداع وهو حق من حقوق الإنسان كفله الدستور والقانون؟ هذا هو السؤال المباشر والصريح الذى سيظل أى نقاش بعيد عنه نقاشاً تختلط فيه الأوراق وتحكمه المواقف والانطباعات الخاصة.

لو قمنا بإنزال السؤال السابق على القضية المثارة حالياً فلا يمكن أن نتجاهل أننا أمام قرار صادر عن نقابة للمهن الموسيقية معترف بها ولها قانون يحكم عملها. هناك إذن تنظيم قانونى قائم يتعين احترامه يستمد مرجعيته من القانون رقم 35 لسنة 1978 بشـأن إنشاء نقابات واتحاد نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية. فى هذا القانون يجب التفرقة بين أمرين أولهما شروط ممارسة المهنة وثانيهما دور النقابة وصلاحياتها. وقد نص القانون المشار إليه على عدم جواز الاشتغال بمهنة الموسيقى والغناء إلا لمن يتمتعون بالعضوية العاملة فى النقابة أو الحاصلين على ترخيص من مجلس النقابة.

الصعوبة فى إعمال هذا النص تكمن فى انتشار المنصات الإلكترونية التى تتيح بث الأغنيات على شبكة إنترنت ولا تخضع لسيطرة أو مساءلة قانونية إلا ما تقوم بحجبه شركات مثل يوتيوب أو فيسبوك لاعتبارات قانونية معينة تقدرها، وحتى هذه الاعتبارات أصبحت مثيرة للجدل على الصعيد العالمي. هنا ما زال المجال مفتوحاً لممارسة حرية التعبير الفني. لكن خارج هذا النطاق ما زال القانون يحظر تسجيل المصنفات السمعية والبصرية أو تصويرها أو نسخها أو عرضها أو أداءها أو إذاعتها فى مكان عام دون ترخيص من هيئة الرقابة على المصنفات الفنية. قد يعجبنا هذا القانون أو لا يعجبنا لكنه ما زال حتى اللحظة قانوناً ملزماً. من يرى إذن أن الأمر يتعلق بحريته الشخصية فى الاستماع لما يروق له من أغنيات يظل من حقه ذلك متى كان الأمر يتم خارج نطاق دور نقابة المهن الموسيقية كما فى دعوة أحد المطربين لحفل خاص فى بيته.

سؤال آخر تجدر مواجهته هو هل يقتصر دور نقابة المهن الموسيقية على الجوانب الاجتماعية لرعاية أعضائها أم أن لها دوراً فى حماية المهنة نفسها والارتقاء بها؟ والحقيقة أن ما يُسمى بحرية الإبداع والتعبير الفنى لا يمكن أن يكون بلا سقف من ضوابط ومعايير بشرط ألا تصادر هذه الضوابط والمعايير جوهر حرية التعبير الفنى أو تمثّل التفافاً حول حق جوهرى آخر يعد الفن وسيلة للتعبير عنه. وحينما تحتكم نقابة المهن الموسيقية إلى القانون المنظم لممارسة أهدافها وصلاحياتها فلا يمكن لوم الفنان هانى شاكر رئيس النقابة على ذلك أو الملحن حلمى بكر فى دفاعه عن المعايير الموسيقية والغنائية وتصبح لافتة الحرية الشخصية لغواً غير مفهوم. قانون نقابة المهن الموسيقية واضح بما يكفى فى باب واجبات الأعضاء وهو ينص على أن من واجبات عضو النقابة أن يتوخى آداب المهنة وتقاليد المجتمع. وما سمعناه وشاهدناه أن هناك أغنيات تمثل خروجاً على الذوق العام وأخلاق المجتمع. لا أعرف شخصياً ما إذا كان التسعة عشر شخصاً (يصعب أن أقول مطربا) هم أعضاء بالفعل فى نقابة المهن الموسيقية أو يحملون ترخيصا ساريا بمزاولة المهنة أم لا؟ إن لم يكونوا كذلك فعليهم الخضوع للقانون. وفى حال كونهم كذلك فإن قرار الحظر الصادر ضدهم لا يُخل بما يجب على النقابة التقيد به من إجراءات وضمانات التحقيق معهم ومثولهم أمام مجلس تأديب واختيار الجزاء التأديبى المتدرج والتظلم منه واستئنافه.فالاعتراض على موجة هذا الغناء الهابط المبتذل لا يعنى إنكار ما يكفله القانون من ضمانات بشأن الجزاء أو التدبير الموقع بحقهم. بخلاف التنظيم القانونى لممارسة المهن الفنية فالقضية المثارة حالياً تطرح مسألة حرية التعبير الفنى حينما تشكل ممارسته كمهنة خدشاً للذوق العام والأخلاق العامة. صحيحٌ أنه من أدق وأشق الأمور وضع معيار قاطع مجمع عليه لهذه المفاهيم لكن يبقى الاحتكام إلى الثقافة السائدة لأغلبية المجتمع معياراً مقبولاً بل وديمقراطياً لاستخلاص مفهوم الأخلاق العامة والذوق العام. وحينما يعترض البعض على ما يتضمنه فيلم أو أغنية من خدش للحياء أو الذوق العام فهو لا يصادر حرية الآخرين فى التعبير بل يحترم الشعور المجتمعى العام لمفهوم الأخلاق العامة أو الذوق العام. والاعتراض ينصب هنا على ما هو علنى ومعروض للكافة ولكل الأعمار ولا يشمل ما هو غير علنى أو خاص بفئة أو جمهور محدّد. ولهذا فإن الفعل الفاضح لا يمثل جريمة إلا إذا وقع علناً، والسب غير مجرّم إلا إذا تم علناً. هذا هو الجانب الدقيق فى المسألة.

والواقع أننا حين نعترض على تحرر وتحلل بعض الأعمال الفنية من المعايير الأخلاقية فلأننا نؤمن بدور الفن فى غرس القيم وصناعة الوعى والارتقاء بالسلوك، لا سيّما وأن مؤسساتنا التعليمية والثقافية والإعلامية المعنية بذلك تعانى أزمات شتى فى الدور والرؤية. كثيرون يبنون موقفهم من ظاهرة الفن غير الملتزم بأن هذا هو الواقع وأنه لولا الملايين المعجبة بهذا الفن لما قُدر له الانتشار. هنا سؤال قديم جديد هل يحافظ المبدع على قيم الجمال الفنى التى ترتقى بالمشاعر وتصنع الوعى حتى يصعد له العامة ويتأثرون به، أم أن للفن التنازل لدرجة الهبوط بهذه القيم مسايرةً للجمهور؟ هذا سؤال جدير بنقاش مجتمعى مطلوب ومفيد. تبقى مسألة أخيرة وهى القياس على المجتمعات المتقدمة التى تُعلى قيمة الحرية المطلقة وترفض مصادرتها أو تقييدها فى مجال التعبير الفني. مثل هذا القياس يتجاهل حقيقتين مجتمعية وقانونية. مجتمعياً الفن الهابط فى أوروبا وأمريكا بفرض وجوده يبدو منكمشاً ونادراً وهزيل التأثير، بينما الفن الهابط لدينا ينتشر ويتمدد ويكاد يصبح ظاهرة. أما قانونيا فليس صحيحاً بالمرة أن حرية التعبير الفنى مطلقة ومتحللة من الضوابط فى المجتمعات الغربية، ويكفى الاطلاع على الكثير من الأحكام القضائية فى الغرب لنتأكد أن حرية التعبير لا تستعصى على الضوابط القانونية فتتوقف حيث تنتهك حقوق أخرى عامة أو خاصة.

 

> أستاذ القانون الجنائى ــ جامعة الإسكندرية


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: