رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قراءة هادئة فى أتون العنف فى مصر (2ــ2)

كانت خلاصة المقال السابق أن تفسير جرائم العنف مرده عوامل متعددة ومعقّدة ومتداخلة، والصفات الثلاث الأخيرة ليست مجرّد مترادفات لكنها تحمل مضامين مختلفة. ومن هنا صعوبة اختزال التفسير فى عامل بعينه وتجاهل ما عداه. لكن الملاحظ أن جرائم العنف فى مصر اليوم يمكن ردها بوجه خاص إلى مجموعة عوامل هى ابنة عصرها ونتاج إفرازاته السلبية. وليس هناك مجتمع بلا سلبيات، فالمدينة الفاضلة لا زالت أبعد ما تكون ليس فقط عن واقعنا بل عن خيالنا أيضاً!

لعلّ أحد مستويات تحليل جرائم العنف فى مجتمعنا هو ظاهرة تمجيد العنف الذى تقوم به صناعة أو بالأحرى تجارة السينما فى مصر. أقول تجارة السينما وليس الفن السينمائى لأن الحاصل أن تجارة السينما فى مصر لدى بعض المنتجين تخضع لاعتبارات الربح التجارى وليس لجماليات الفن السينمائي. نعرف جميعاً تيار الأفلام المصرية التى تمجّد العنف وتجعل من البلطجية والتافهين والسفهاء نجوماً فى المجتمع بكل ما يترتب على ذلك من آثار سلبية لدى النشء والشباب وهو يرى فى هؤلاء قدوة ونموذجاً يتطلع إليه ويحلم أن يكون على شاكلته مستقبلاً.

لا يعنى انتقاد ظاهرة تمجيد العنف والبلطجة والتافهين والسفهاء أننا نطالب بسينما للوعظ والإرشاد الأخلاقي، فالسينما فن جمالى مؤثر جدير حقاً بوصف الفن السابع. انتقادنا ينصب فى الحقيقة على تسليع هذا الفن الإبداعى المبهر وإخضاعه لمنطق التجار الباحثين عن ربح مدفوع من غرائز المراهقين والدهماء. ما ننتقده فى صناعة أو تجارة السينما هو الهبوط بها من فن جمالى يمكن أن يكون أداة ساحرة وملهمة للارتقاء بالنفوس وتنوير العقول ورصد مشاعر الفرح أو الحزن اللذين تتلوّن بهما حياة البشر إلى أداة لتسطيح الوعى والانحدار بالمشاعر وتزييف سُلم القيم فى المجتمع.

قد يرى البعض أن الأمر نفسه يحدث فى مجتمعات أخرى غيرنا أكثر تقدماً وتحضراً لكن نحن هنا معنيون فى المقام الأول بمجتمعنا وليس بمجتمعات الآخرين، ففى مجتمعنا اليوم تحوّلات يجب خوضها والنجاح فيها، فى مجتمعنا اليوم أمية قرائية وتعليمية وثقافية يجب أن نكون نوراً لها لا ناراً عليها، ولهذا فإن تمجيد العنف أو الشذوذ وتجميله وتقديمه بهذا القدر من الإبهار هو تغذية خبيثة أو جاهلة لمشاعر العنف والفجور الكامنة داخل النفس البشرية التى أفلح من زكّاها وخاب من دسّاها بالتعبير القرآنى العميق والبليغ.

يدور الحديث أيضاً عن الفقر والضنك المعيشى كأحد مستويات تحليل ظاهرة الجريمة عموماً والعنف بوجه خاص. والواقع أن الفقر موجود فى مصر منذ زمن طويل، بل لعلّ مصر لم تُعرف فى تاريخها الحديث كدولة ثرية أو دولة رفاه اقتصادي. لكن الفقر الذى عرفه المصريون من قبل لم يقترن بمثل جرائم العنف التى عرفناها اليوم لا فى انتشارها أو دوافعها أو طريقة تنفيذها. ومن الصعب القياس على المجاعة التى عرفتها مصر فى عصر الدولة الفاطمية والتى يقول المقريزى أنها حدت بالناس إلى أكل لحوم القطط والكلاب بل والبشر والتى يُطلق عليها تاريخياً الشدة المستنصرية، فقد كانت تلك حقبة مؤقتة استثنائية فى تاريخ مصر. أما الفقر اليوم فهو برغم شدته وقسوته ليس جديداً تماماً على المجتمع المصري، والفقر بالأساس هو عامل لتفسير جرائم الأموال بأكثر من تفسير جرائم العنف.

كنا نأمل لو أن مؤسسة بحثية اجتماعية عريقة ونخبوية مثل المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية اضطلعت بمنهجية عمل وخطط بحثية مدروسة لرصد العلاقة بين الفقر والعنف على أرض الواقع فى كل مناطق مصر وليس رصداً نظرياً أو أكاديمياً. أرجو ألا تكون حالة التوجس السائد وربما الزائد من بحوث استطلاع الرأى والبحوث الميدانية الأخرى هى السبب فى فتور همة المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية. فالمجلس فى البدء والنهاية مؤسسة بحثية حكومية تابعة للدولة، والمركز بحكم طبيعة عمله وأهدافه ورسالته جدير بأن يكون له تقريره السنوى الخاص واللائق به لرصد حالة الإجرام فى المجتمع المصرى زمنياً وجغرافياً لاستخلاص ما يجب استخلاصه من دلالات لا سيّما وأن المركز يزخر بكفاءات علمية كبيرة وتوالى على رئاسته علماء مرموقون.

والواقع أن ما كان يحدُّ من تأثير الفقر فى مصر كدافع لظاهرة الجريمة بوجه عام والعنف بوجه خاص هو وجود كابح مضاد له تمثّل فى الإيمان الدينى العميق لدى المصريين بقيم وفضائل وسلوكيات القناعة والرضا والتسليم بالواقع والتكيف معه كنوع من الاختبار الدنيوي. وبين الفقر المدقع (كدافع) والمعتقدات الدينية (ككابح) كان يمضى المجتمع المصرى وكانت معدّلات الجرائم بما فيها جرائم العنف ضمن المستويات العادية المتوسطة. فما الذى تغيّر وجعل هذه المعدّلات تتزايد وتتسم بواعثها وطرق تنفيذها بهذا القدر من الوحشية والشذوذ؟

ربما كان أحد عوامل التفسير التى يجب بحثها يتمثل فيما طرأ على موقف المصريين من الدين والقيم والفضائل الدينية فى مواجهة مسألة الحرية. فقد أسهمت تيارات العنف والإرهاب المتستر بالدين فى خلخلة وإرباك الوسطية الدينية والاجتماعية التى ميّزت المصريين، وتجلّى ذلك فى تشويش مفهوم الحرية. كاد العقل الدينى والاجتماعى ينشطر إلى قسمين، قسم اتسم بالغلو الدينى واعتبار الحرية رجساً من عمل الشيطان. أما القسم الآخر فقد اتسم بغلو مقابل فاعتبر الحرية قيمة مقدّسة تعلو على كل القيم الأخري.

وهكذا أصبحت الوسطية الدينية والاجتماعية والتى تتماهى أحياناً مع مفهوم الطبقة الوسطى واقعةً بين فكى كماشة غلاة المتزمتين من ناحية وغلاة المتحررين من ناحية أخري. هنا نشأ صراع نفسى وثقافى مكتوم سرعان ما تغذى على عوامل الفقر والقهر الجنسى بسبب تأخر سن الزواج وصعوباته فطفت على السطح إفرازات مثل جرائم العنف والتحرش الجنسى الذى فاق التصوّر، وجرائم زنا المحارم التى وإن بدت ظاهرة مكتومة يصعب رصد حجمها الحقيقى فإن البلاغات بوقوعها تتنامى فى الآونة الأخيرة كإفراز مشترك لعامل ثقافى وتكنولوجى توفره الإباحية على شبكة إنترنت مع عامل اقتصادى اجتماعى لأسرة مكتظة العدد تعيش أحياناً فى غرفة واحدة.

قريبُ من البحث عن تأثير خلخلة وإرباك الوسطية الدينية والاجتماعية على ظاهرة جرائم العنف وظواهر إجرامية أخرى يوجد أيضاَ مستوى آخر من التفسير الاقتصادى والاجتماعى المرتبط بالتفاوت الطبقى الآخذ فى التصاعد والتفاقم. نحتاج كباحثين فى علم الجريمة لأن نختبر الآثار المباشرة وغير المباشرة لهذا التفاوت على جرائم العنف التى تُرتكب لذاتها أو لتأمين المال المطلوب لإشباع احتياجات أخري. مشكلة التفاوت الطبقي، وهو ظاهرة تعرفها كل المجتمعات، أنه لا ينحصر فى مجتمعنا فى التفاوت الاقتصادى المالى لكنه أصبح تفاوتاً شاملاً بالمعنى الثقافى والاجتماعى والقيمي. ولهذا فالسؤال هو ما إذا كان لهذا التفاوت تأثير ما فى تسريع حركة الانتقال إلى العنف لكى نفسر أو بالأقل نفهم مرحلة اختمار فكرة الجريمة وهى تتحوّل من دائرة النوازع إلى دائرة الأفعال؟ هذا سؤال من بين أسئلة كثيرة جديرة بالانشغال.

-----------------------------

> أستاذ القانون الجنائى ــ جامعة الإسكندرية


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: