رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قراءة هادئة فى أتون العنف بمصر (1ــ2)

أصبحت حاجتنا ملحة لتأمل وتفسير جرائم العنف فى مصر التى تتزايد أعدادها بقدر ما تتسم طرق تنفيذها وبواعثها بقدر كبير من الوحشية والشذوذ. وابتداء فكل مجتمعات العالم لا تخلو من جرائم العنف لا فارق فى ذلك بين مجتمعات فقيرة أو غنية، نامية أو متقدمة. بل إن مصر حتى آخر إحصاء متاح لدى البنك الدولى للعام 2012 كان معدّل الجرائم فيها يبلغ 3 لكل مائة ألف من السكان، وكان هو المعدّل ذاته فى دول أخرى مثل تونس وتركيا وقريب من دول غنية ومتقدمة مثل كندا وفنلندا اللتين يبلغ معدّل جرائم القتل فيهما 2 لكل مائة ألف من السكان، ويظل أقل بكثير جداً من دول أخرى مروّعة مثل البرازيل (27 حالة لكل مائة ألف من السكان)، والمكسيك (29 حالة لكل مائة ألف من السكان)، والولايات المتحدة (6 حالات لكل مائة ألف من السكان) لكن جرائم العنف تفاقمت أخيراً فى مصر، والتفاقم يلحق الكم والنوع والباعث وطريقة التنفيذ.

ما الذى يقلقنا إذن، ويجب أن يقلقنا، بشأن ظاهرة العنف فى مجتمعنا اليوم؟ ما يقلق أن جرائم القتل لاتنفصل عن مناخ عام للعنف فى مواجهة الغير، واليأس فى مواجهة الذات، وتدهور الأخلاق والقيم. ما يُقلق أن ارتفاع معدلات قتل الغير تقترن بارتفاع مماثل لحالات قتل الذات بالانتحار الذى بلغ معدله فى مصر 4.4 حالة انتحار لكل مائة ألف من السكان (وفقاً لأرقام منظمة الصحة العالمية لعام 2016)وفى المرتبة الأولى عربياً بعد أن كان ترتيبها المائة عالمياً منذ عشرين عاماً وبمعدل لايبلغ سوى 0.1 حالة لكل مائة ألف من السكان.

ما يُقلق أيضاً هو افتقاد القدرة على التعايش والحوار وإدارة الاختلاف حتى تحت سقف البيت الواحد، الأمر الذى أوصلنا إلى ارتفاع معدّل الطلاق فى مصر إلى 40% من عدد الزيجات الجديدة بعد أن كان لا يتجاوز 7% فقط منذ خمسين عاماً. فى ظل هذا المناخ المجتمعى لا يصعب تصوّر التداعيات السلبية وربما الخطيرة التى تؤثر على حالة السلام المجتمعى لا سيّما وأن الطلاق فى بلادنا ما زال فى معظم حالاته يقترن بحالة من البغضاء والعداء، وهذه كلها عوامل مغذية وإن كان بشكل غير مباشر لحالة العنف العام فى المجتمع.

ما يقلق كذلك على هامش ظاهرة الجريمة والعنف أن عملية البحث العلمى الاجتماعى للظاهرة نفسها تبدو وكأنها تتم فى ظلمة حالكة. فلا توجد إحصاءات أو أرقام حديثة متاحة تقدمها الجهات المعنية التى تملك المعلومات والبيانات حتى يستطيع الباحثون والأكاديميون أن يقدموا ما يفيد فى تحليل الظاهرة واقتراح سبل مواجهتها. تقرير الأمن العام الذى يتضمن الإحصاءات السنوية المتعلقة بكل أنواع الجرائم توقف عن الصدور العلنى منذ عام 2012. هذا التعتيم الإحصائى والمعلوماتى بشأن ظاهرة الجريمة والعنف يكاد يصبح جزءاً من المشكلة بدلاً من أن يكون جزءاً من المواجهة والحل كما نتمنى. ولهذا يلجأ الباحثون إلى مصادر المعرفة وقواعد البيانات الإحصائية الأجنبية، وهذه بعضها دقيق لكن تغيب عنها الإحصاءات المصرية الحديثة والبعض الآخر غير دقيق وربما مضلّل يعتمد أحياناً على مجرد استطلاعات الرأي.

فى استجلاء ظاهرة العنف ربما علينا ابتداء تأمل المقولة الجريئة بل الصادمة لعالم الاجتماع الفرنسى الشهير دوركيم وهى أن الجريمة جزء لا يتجزأ من كل مجتمع سليم! فمن المستحيل كما يقول دوركيم أن يتشابه الناس جميعاً من الناحية الخلقية. ربما بوسعنا أن ندقّق أكثر رؤية دوركيم إذا اعتبرنا أن ظاهرة الجريمة أو العنف تبدو كجرثومة تؤكد مناعة الجسم أى المجتمع بالقضاء عليها فكأنها اختبار لا بد منه أحياناً لتنشيط مناعة جسم المجتمع.

والواقع أن قضية العنف فى مصر تبدو مطروحة بشدة أكثر من أى وقت مضى بحكم سهولة رصدها ومشاهدتها من خلال الإعلام الجماهيرى الذى يقدمه عموم الناس عبر منصات التواصل الاجتماعي. من المؤكد أنه كان تحدث فيما مضى جرائم قتل بشعة لكن لم يكن متاحاً مشاهدتها ومتابعتها بأدق تفصيلاتها وبالصورة الحركية وما تتركه من تأثير لدى الرأى العام كما يحدث اليوم. بالطبع لا يوجد شك فى أن العنف جزء من ظاهرة إجرامية عالمية بفعل ما بلغته ظاهرة الجريمة المنظمة عبر الوطنية وظاهرة الإرهاب من مستويات متفاقمة ومعقّدة، بل أصبح يتشجع ويعيد اكتشاف غرائزه ووحشيته بتأثير هاتين الظاهرتين.

والأمر المؤكد مجدّداً أن العنف المحلى لا يمكن أن تنفصل رؤيته عن مجمل وأحوال وظروف وسياقات مجتمعه وزمانه. هذا يُذكّرنا بالمقولة الشهيرة لعالم الاجتماع الجنائى الإيطالى أنريكو فيرى من أن الجريمة نتاج لا مفر منه لعدة عوامل فردية (منها ما يتعلق بالتكوين الأنثربولوجى والنفسي) ولعوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية. إذا اجتمعت هذه العومل معاً فإنها تنتج قدراً من الجرائم لا يزيد ولا ينقص عما بلغته هذه العوامل السابق ذكرها. ولهذا سُميت هذه الرؤية التكاملية لظواهر الجريمة والعنف بقانون الكثافة او التشبع الإجرامي.

جرائم العنف فى مصر وبصفة عامة لا تشذ كثيرا عن هذا التحليل التكاملى متعدد الأبعاد. لكن هذه الطفرة فى عدد جرائم العنف وطريقة تنفيذها وبواعثها فى الآونة الأخيرة تتطلب تفسيراً أكثر خصوصيةً ــ ومعاصرة.بحث الجريمة فى إطار عواملها الفردية الخاصة وعواملها الخارجية من اجتماعية واقتصادية ــ ومقنعا ومفيدا فى الأزمنة والظروف المجتمعية العادية، أما فى الأزمنة الاستثنائية ومراحل التحول الاجتماعى والتكنولوجى الكبرى فإنه لا بد من تفسير إضافى جديد. والأزمنة الاستثنائية لا تقتصر فقط على أزمنة الحروب أوالثورات أو الأوبئة، لكنها تشمل أيضاً التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية الكبرى.

فى القلب من هذه التغيرات توجد ظواهر مستجدة على البيئة المصرية تمثل صراعاً بين تقاليد مجتمع محافظ وبين مساحات جديدة من ممارسات الحرية الجنسية. توجد ظاهرة الإدمان الذى يبدو أن معدلاته لدى الشباب بلغت حدوداً مروّعة لا سيّما وأن الإدمان يلعب دوراً ليس فقط فى تهيئة ارتكاب الجريمة والتحفيز عليها، ولكن أيضاً فى خلق طلب على ارتكاب جرائم أخرى ليست مقصودة لذاتها بهدف البحث عن المال المطلوب لتدبير احتياجات المدمن. هناك أيضاً شبكة الإنترنت المفتوحة باتساع الأرض والسماء التى أسقطت الحواجز بين الأمكنة والثقافات والأنساق والقيم والتقاليد، وأتاحت إمكانات تواصل لحظى معظمها بالصورة والحركة.

كان لشبكة الإنترنت كأكبر منجز تاريخى فى مجال الاتصال والتواصل بين البشر نورها ونارها. وكانت نارها أقوى مما يحتمله البعض فى ثقافة محافظة وتقليدية تميل إلى الانكفاء على النفس قانعة وربما مستمتعة بحياتها البسيطة. ليس من المبالغة الاعتقاد بأن شبكة الإنترنت أحدثت لدى بعض الشرائح المجتمعية حالة من الانفصام والاضطراب.وكان هذا العالم المفتوح غير الخاضع لسيطرة أحد مستعدا لتقديم سلعه وإبهاراته ولذاته وحرياته وشبكاته لتصنيع وتجارة الجنس والمخدرات والبشر والقتل والسلاح والإرهاب، وسرعان ما وجد هذا العالم الافتراضى أرضاً خصبة فى مجتمعات الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية.

 

> أستاذ القانون الجنائى ــ جامعة الإسكندرية


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم:

رابط دائم: