حين أطلق الرئيس السابق لجزر المالديف صرخته المؤلمة: نحن ندفع بأرواحنا ثمن الكربون المنبعث من شخص آخر, لم تكن فى مقولته مبالغة وهو ينبّه العالم من خطورة ظاهرة التغير المناخى والاحتباس الحراري. فجزر المالديف مثل هاييتى بل وهونج كونج وميامى والاسكندرية تبدو مدناً مهدّدة فى المستقبل كما قال رئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون فى قمة جلاسجو بأسكتلندا التى عُقدت الأسبوع الماضي، وهى تمثل الدورة 26 لقمم الأمم المتحدة لتغير المناخ. يقف العالم كله اليوم على قدم وساق بقادته وخبرائه ومنظماته الدولية المعنيّة، وعلى رأسها الأمم المتحدة وهو يأمل فى نصف درجة حرارة مئوية لتدارك ما يمكن تداركه.. أجل نصف درجة حرارة مئوية فقط لكى تبقى حرارة الأرض عند مستوى 1.5 بدلاً من درجتين عما كانت عليه الحرارة فى عصر ما قبل الحقبة الصناعية بأمل الحد من الاحتمالات الكارثية لظاهرة التغير المناخي.
والواقع أن قصة تغير المناخ العالمى تمثل قصة الإبداع البشرى حين يخرج عن سيطرة المبدع لتعبر الطبيعة عن رفضها وغضبها من جموح الإنسان فى ترويضها والسيطرة عليها.. حين قادت البشرية ثورتها الصناعية التى اعتمدت على الوقود الأحفورى المتمثل فى الكربون ثم النفط لاحقاً، لم يكن الانسان يتوقع انه بعد قرنين ونصف القرن من الزمن تقريباً سيكون عليه أن يدفع ضرائب إبداعه وطموحه ونهمه وجشعه فى صورة تغيرات مناخية قاسية وكارثية تهدد الكوكب البديع الذى لم نحسن صيانته والتعامل معه.وكان البحث عن طاقة بديلة نظيفة انتشرت استخداماتها وإن كانت بشكل متفاوت من دولة إلى أخرى محاولة من الانسان لترضية الطبيعة والتعامل معها بشكل أكثر رفقاً وتواضعاً واحتراماً. ومع ذلك ظلت المخاطر قائمة بل ازدادت بفعل ظاهرة الاحتباس الحرارى الذى يهدد بذوبان المناطق الجليدية وارتفاع مستوى المياه فى البحور والمحيطات واحتمال غرق مدن ساحلية عديدة، فضلاً عما يرتبط بذلك من ظواهر أخرى كالفيضانات والكوارث الاجتماعية والاقتصادية وجفاف الأراضى الزراعية ونقص المحاصيل وثروة العالم من الغذاء.
بدأ العالم يدرك أن النهاية قد تكون مكلفة وربما كارثية إذا لم يضطلع المجتمع الدولى، خصوصاً الدول الصناعية الكبرى بمسئوليتها القانونية والأخلاقية عن الاحتباس الحراري. لماذا الدول الصناعية الكبرى؟ الإجابة ببساطة لأن المنشآت الصناعية والتجارية والمبانى السكنية فى أوروبا وأمريكا الشمالية على سبيل المثال تنتج وحدها 70% من إجمالى انبعاثات الغازات الدفيئة المسبّبة للاحتباس الحرارى، وذلك وفقاً لدورية Scientific Amercain. كما ان مجموعة العشرين وحدها تنتج 80% من انبعاثات الغازات الدفيئة. أما الدول الأكثر انتاجاً لهذه الانبعاثات فتأتى فى مقدمتها الصين التى تعتبر مسئولة عن 29.3% من إجمالى الغازات الدفيئة تليها الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 13.7 ثم الهند بنسبة 6.6%.
وعقب ستة مؤتمرات أممية عن التغير المناخى جاءت قمة باريس عام 2015 لتمثل بصيص أمل حيث بدأ العالم يدرك أن ساعة المواجهة قد حانت خصوصاً أن هناك عدداً هائلاً من الدول التى صادقت على اتفاق باريس الذى تمخّض عن هذه القمة بلغ 189دولة. جاء اتفاق باريس ليشكل إطاراً للتعاون الدولى للعقود المقبلة وذلك بهدف الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى درجة ونصف مئوية بدلاً من درجتين مقارنةً بدرجة الحرارة التى كانت قبل عصر التحوّل الصناعي. إذن نصف درجة مئوية فقط هى التى تمنحنا السيناريو السيىء وتبعدنا عن السيناريو الأسوأ.
اتفاق باريس يبدو مثالياً فى صياغة ديباجته التى تعتبر التغير المناخى شاغلاً مشتركاً للبشرية وتتحدث عن التزامات يفرضها تغير المناخ تتعلق بحقوق الإنسان وحقوق الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية والمهاجرين والأطفال والأشخاص ذوى الإعاقة والأشخاص الذين يعيشون أوضاعًا هشّة والحق فى التنمية.
وينص اتفاق باريس على الإبقاء على ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية فى حدود أقل بكثير من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الحقبة الصناعية ومواصلة الجهود الرامية إلى حصر ارتفاع درجة الحرارة فى حد لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية تسليماً بأن ذلك سوف يقلّص بصورة كبيرة مخاطر تغير المناخ وآثاره.
من الذى سيتحمّل تكلفة تحقيق هذه الآمال المنشودة والحد من ظاهرة الاحتباس الحراري؟ فى الإجابة عن السؤال يكرّس اتفاق باريس مبدأ المسئوليات المشتركة للدول بحسب قدرات كل دولة فى ضوء ظروفها المختلفة. ويشير الاتفاق مراراً إلى مساعدة الدول النامية. ولعلّ أهم ما تمخض عنه اتفاق باريس هو توفير مائة مليار دولار سنويًا للدول النامية لمساعدتها فى مواجهة التغيرات المناخية.
سرعان ما اكتشف العالم أن ما قرره مؤتمر باريس فى 2015 من دعم الدول النامية بمائة مليار دولار سنويًا لم يكن أكثر من وعد لم يتحقق وحلم على ضفاف نهر السين. وكانت فترة عهد الرئيس الأمريكى ترامب شديدة السلبية على الموقف الدولى من قضية المناخ فقد انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية فى عهده من اتفاق باريس للمناخ عام 2017 فضلاً عن ترهاته التى لم يكف عن بثها من خلال تغريداته المثيرة على شبكة تويتر حتى انه وصل إلى حد التشكيك فى ظاهرة الاحتباس الحرارى نفسها قائلاً إنه إذا كان هناك ارتفاع فى درجة الحرارة فلماذا يسود الطقس البارد إذن؟!. هكذا ألقى الموقف الأمريكى فى عهد ترامب ظلالاً من الشك وخلق حالة من التشاؤم والإحباط فى قدرة العالم على الحد من الاحتمالات الكارثية للتغيرات المناخية. وبانتهاء حقبة ترامب ومجيء الرئيس بايدن إلى الحكم سرعان ما تم تصويب الموقف الامريكى وعادت الولايات المتحدة الأمريكية لتصبح إضافة إلى الجهود الدولية لمكافحة الاحتباس الحرارى بعد أن كادت تصبح عبئاً عليها.
إذا كان هناك مبدأ قانونى شهير يتم تفريغه فى قواعد وتطبيقات شتى يقضى بأن الغُرم بالغُنم فمن العدل أن يتحمّل الشخص من التكاليف بقدر ما يربحه. لو طبقنا هذا المبدأ ولو بشكل تبسيطى على موقف الجهود الدولية لمكافحة التغيرات المناخية فإن الدول الصناعية الأكثر إنتاجاً لانبعاثات الغازات الدفيئة والدول الأكثر انتاجاً وبيعاً للوقود الأحفورى تصبح هى الأكثر مسئولية لإصلاح الأضرار الناشئة عنها وما يتطلبه ذلك من دعم مادى وفنى للدول النامية والفقيرة المهدّدة. هنا تبدو الصين والولايات المتحدة الأمريكية والهند ومعهم الدول الصناعية الأخرى الأكثر مسئولية، لكن الملاحظ مثلاً أن الرئيس الصينى لم يحضر بنفسه قمة جلاسجو باسكتلندا. ولا يبدو الموقف الصينى واضحاً وحاسماً بما فيه الكفاية فى قيادة الجهد الدولى فى قضية التغير المناخى مع أنها الأكثر تسبباً فى انبعاثات الغازات الدفيئة. رئيس الوزراء الهندى بدوره تعهّد بوجه بريء بأن تصل الهند إلى مرحلة الحياد الكربونى بحلول عام 2070 ! أى بعد نصف قرن من الآن ! مع أن الهند هى الدولة الثالثة الأكثر إنتاجاً لانبعاثات الغازات الدفيئة على مستوى العالم.
باختصار يبدو العالم فى مواجهة الاحتمالات الكارثية لظاهرة الاحتباس الحرارى مشتّتاً بين أنانيته ونهمه وبين التزامه الأخلاقى والقانوني. السؤال الآن هل يضحى العالم بمسئوليته الأخلاقية والقانونية عن المصير المشترك للبشرية من أجل نهم وأنانية الدول الصناعية الكبرى، أم أن الشعور بالخطر سيوحّد العالم فى مواجهة الاحتمالات الكارثية للتغيرات المناخية؟ هذا سؤال من بين عشرات الأسئلة الأخرى التى يواجهها العالم اليوم.
-----------------------
> أستاذ القانون الجنائى ــ جامعة الإسكندرية
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم رابط دائم: