رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دفاعا عن مهرجان الجونة

لا ينبع دفاعي عن مهرجان الجونة من أي معرفة بأي طرف من أطرافه، كما أنه لا ينبع من أي انحياز أو مصلحة مباشرة أو غير مباشرة. فما أنا إلا مواطن عادي شاهد وقرأ وتابع هذا الحدث، ولكن توقف كثيرا أمام ردود الفعل على هذا المهرجان، والتي تكشف عن دلالات يجب ألا نغفلها ونحن ننظر في أحوالنا المعاصرة، لأنها قد تؤشر على خطر كامن. ومع وجود تفاصيل كثيرة لردود الأفعال هذه إلا أنها تنحصر في ثلاثة اتجاهات: الأول هو النقد الشديد واللاذع والقاسي أحيانا للسجادة الحمراء ومرور الفنانين والفنانات عليها بأزيائهم وطلتهم الجسدية. وقد جاء هذا النقد عبر مستويات عمرية وثقافية متباينة. أما رد الفعل الثاني فقد كان على الفيلم المصري الفائز بإحدي جوائز مهرجان كان، والذي قدم تجربة فريدة وإبداعية بكل المقاييس. وقد تضاعف النقد لهذا الفيلم إلى أن وصل إلى القول بأنه يسىء إلى مصر. أما رد الفعل الثالث فقد كان الدفاع عن المهرجان وأصحابه؛ والذي جاء بصوت خافت وسط أصوات ردود الفعل الأولى والثانية التي لم تخل من كثير من التطاول.

ولقد كنت أتابع ردود الفعل هذه على أصداء ما يتردد في عقلي من أفكار لكبار الفلاسفة والمفكرين حول أولوية العقل على الجسد، والثقافة علي الغريزة، وحول نقد ملكة الحكم والتذوق الجمالي، وعلاقة ذلك برقي المجتمعات وتقدمها. وإذا ما تأملنا ردود الفعل التي أشرنا إليها في ضوء هذه الأفكار لاستطعنا أن نستخرج بعض الدلالات المهمة التي تؤشر على حالة الوجود العقلي والنفسي التي نعيشها، والتي تشكلت عبر فترة طويلة من الزمن خضع فيها العقل لعمليات تجريف أوصلته إلى حالة من التطرف والتسرع في الحكم، والابتعاد عن الموضوعية.

فيما يتصل بالسجادة الحمراء ومن يسير عليها من أشخاص، احتل الجسد الموضوع الأساسي، استحضر الجسد واستحضرت الغريزة، وانطلقت عمليات الهمز واللمز. لم يبتهج إلا القليل بالبهجة والألق الذي يطل علينا من هذا المشهد، أو بالإبداع في تقييم الأزياء وألوانها وعلاقتها بسوق صناعة الأزياء العالمي، أو من كان وراء هذا المشهد من المصممين والمخرجين. وعندما ينأى العقل بنفسه عن الفن وما يحيط به من اعتبارات للجمال والإبداع. ويتخذ من الجسد العاري موضوعا له، فإنه يكون قد ذهب في الاتجاه الآخر ودخل في أتون خطاب الجماعات المتطرفة التي لا حديث لها إلا جسد المرأة، والتفنن في الفتاوى التي تحبسه، والنظر إلى المرأة على أنها كائن أقل من الرجل وأنها لم تخلق إلا للمتعة. ولا أجد أن هذا الحكم فيه مبالغة أو تجاوز، فماذا عسى أن تكون الأزياء التي ترتديها المرأة في مثل هذه المناسبات ذات الطابع العالمي، يتحدث خطابهم عن الحشمة، وهو مفهوم فضفاض يمكن أن يفسر بطرق عديدة، ومن أكثرها شيوعا تلك الحشمة التي يتحدث عنها أصحاب الفكر المتطرف الذي يبنى جل فهمه على التمثيلات الجسدية للذكورة والأنوثة. وعند هذه النقطة تطل علينا المشكلة التي أحاول أن ألفت النظر إليها، وهي أننا رغم ما طرأ على حياتنا من حداثة، ورغم مزاعمنا بأننا نفكر ونعمل بطريقة حديثة، إلا أن ثمة مشاعر دفينة تشكل بنية نفسية وعقلية عميقة تجعلنا نقترب كثيرا، ودون أن نشعر من الفكر المتطرف المنافي للحداثة ومعطياتها المدنية والفكرية فلا نلتفت إلى أي مضمون للذوق الجمالي ونميل بتفكيرنا إلى المستوى البيولوجي.

وقد نتوجه بنفس الرسالة لمن تحدثوا عن فيلم «ريش» بالنقد والتجريح، ولكني سوف أثير معهم قضايا أخرى، اكتفي منها بثلاث: الأولى: تتعلق بطبيعة العملية الإبداعية. فهذه العملية هي عملية معقدة يدخل فيها أبعاد فنية وجمالية. وقد ذهب ذلك الزمن الذي كان يقال فيه إن الفن هو انعكاس للواقع، الفن الذي يعكس الواقع ويصوره إما أن يكون أفلاما تسجيلية أو أن يكون فنا بسيطا تصويريا ليس به جوانب إبداعية مكثفة. وفي ضوء ذلك فإذا كانت هناك أية مشاهد لا نرغب في مشاهدتها، فإنها لا تستأهل رفضا أو مقاطعة لأنها من المتطلبات الفنية الإبداعية، وليس لها علاقة بالواقع. والثانية تتعلق بتاريخ الفن في مصر. فالجميع يعرفون أن مصر قد سبقت كثيرا من الدول في الإبداعات الفنية الحديثة، ولقد أصبحت رائدة بحق في مجالات عديدة على رأسها السينما والمسرح والغناء. ولقد كانت السينما المصرية شاهدا على التطورات الاجتماعية والسياسية خلال فترة امتدت إلى أكثر من قرن من الزمان. ولقد عبرت السينما المصرية بشكل إبداعي راق عن مشكلات الإنسان المصري وهمومه وطموحاته. وعلى خلفية هذا التاريخ العظيم، فإن فوز أحد الأفلام بجائزة عالمية فإنه يعني أنه عمل إبداعي فائق الجودة، كما أنه يجب أن يستقبل على أنه تتويج لهذه المدرسة السينمائية المصرية، وأنه أحد منتجاتها. وهنا نأتي إلى القضية الثالثة وهي تتعلق بما صدر عن البعض بأن الفيلم هو إساءة إلى مصر أو إلى تشويه صورتها، قد نلتمس من هؤلاء أن يراجعوا أحكامهم، فعكس ما قالوا هو الصحيح. فهو إنجاز رفيع المستوى يستحق الثناء والمدح، لا الهجر والقدح وهو فخر لمصر وإبداعاتها الفنية التي لم تنقطع على مر التاريخ.

وفوق كل هذا وذاك ألا يحق لنا أن نلوح أو حتى نهمس بكلمة شكر لمن أسسوا هذا المهرجان ورعوه. فنحن هنا بصدد ممارسات جديدة لم تكن مألوفة. فلقد كانت الدولة هي التي ترعى المهرجانات الفنية. وعندما يطل علينا رجال أعمال وطنيون، بإقامة مهرجان كامل، فيجب ألا نسكت على أمور مهمة تتخلق في مجتمعنا الجديد: الشراكة الإيجابية بين القطاع الخاص والدولة، والمسئولية الاجتماعية لريادة الأعمال، والانتعاش السياحي والتجاري الذي يسكن هذه الممارسات، وغير ذلك من الجوانب الإيجابية التي تدعونا إلى أن نرسل بتحية شكر وتقدير إلى رعاة المهرجان.


لمزيد من مقالات د. أحمــد زايــد

رابط دائم: