بالطبع الإنسانى يتوق المرء إلى الفرحة، وبالنزعة العقلية تبدو الفرحة فى مصر أشبه بانتصار على تحديات وصعاب لا تخلو منها حياتنا. وبقدر ما ينتقد المرء هذا الوضع أو ذاك فإن شعوره بالفرح يصبح مضاعفا حين يتحوّل موضع الانتقاد إلى موضع إنجاز. أتحدث هنا عن القرار المفرح الذى فاجأ به السيد رئيس الجمهورية الكثيرين بإلغاء مد حالة الطوارئ فى بلادنا بعد أسابيع قليلة من إطلاق أول إستراتيجية وطنية لحقوق الإنسان، القرار باعث على السعادة بقدر ما يثير آمالا كبيرة بأن يصبح بداية تُبنى عليها إنجازات وأفراح أكبر.
ها نحن إذن نعيش لحظة التوقف عن مد حالة الطوارئ، وهى الحالة التى كانت تجيز فرض سلطات وقيود استثنائية تمثل خروجا على الضمانات الدستورية والقانونية للحقوق والحريات الفردية، الحالة التى ظلت جاثمة لأكثر من أربعين عاما منها ثلاثون عاما استغرقت عهد الرئيس السابق مبارك، وذلك بخلاف الفترات التى أُعلنت فيها حالة الطوارئ فى النصف الأول من القرن الماضى تحت تسمية أخرى هى الأحكام العرفية خصوصا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. والواقع أن كل الدول حتى أكثرها ديمقراطية تجيز إعلان حالة الطوارئ وبالتالى فرض قيود استثنائية مخالفة للأحكام الدستورية والقانونية المطبقة فى الظروف العادية.
لكن الدول تختلف فيما بينها من حيث مبرر ومدة إعلان حالة الطوارئ. تكاد تتركز مبررات إعلان حالة الطوارئ فى هذه الدول فيما يحل بها من كوارث طبيعية، ونادرا ما يكون لبواعث سياسية، ولهذا تكون فترة فرض هذه الحالة مؤقتة غالبا بأسابيع أو شهور قليلة. كان الوضع فى مصر مختلفا عما تعرفه هذه البلدان الديمقراطية سواء من حيث المبررات أو طول المدة إذا استثنينا بالطبع الحوادث والمخاطر الإرهابية التى تعرضت لها مصر كمبرر طبيعى لإعلان حالة الطوارئ، لكن كان هناك الاعتقاد المستقر فى الأذهان بأن إعلان حالة الطوارئ ظل يُستخدم غالبا كأداة قانونية للتضييق على ممارسة الحقوق والحريات السياسية.
على أى حال من حقنا اليوم أن نفرح بهذا القرار الرئاسى الشجاع كقرارات أخرى عديدة بعد أن تجاوزنا هذا المناخ المقبض الثقيل الذى كان حتى فى حال عدم التوسع فى تطبيق القيود الاستثنائية التى تجيزها حالة الطوارئ مناخا موحيا بالقلق والخوف وغير مشجع لحركة الاستثمار الأجنبى فى مصر. الفرحة اليوم بإلغاء مد حالة الطوارئ تبدو مستحقة لشعب طالما تحمّل، وجديرة بالثناء لرئيس يبشر بجمهورية جديدة.
من المؤكد أن لإلغاء مد حالة الطوارئ آثاره السياسية الإيجابية الداخلية، لكن مغزاه الذى لا يخفى هو كونه رسالة بأن مناخ الاستقرار الذى تعيشه البلاد يزداد رسوخا بقدر ما أن مناخ الخوف والقلق الذى لازم المصريين فترة طويلة يتبدد ويزداد تراجعا. كان لافتا كلمة رئيس الجمهورية المنتقاة بعناية وتواضع حين أعلن أن هذا القرار كان الشعب المصرى هو صانعه الحقيقى على مدى السنوات الماضية. والمؤكد أن هذا القرار الشجاع قد ترددت أصداؤه بسرعة خارج مصر فى الأوساط الدولية الحقوقية والدبلوماسية والاستثمارية والاقتصادية، أما داخل مصر فالقرار يحمل شئنا أم أبينا بعدا تاريخيا لأنه بحساب السنوات التى فُرضت خلالها حالة الطوارئ فإن هناك جيلين فى مصر اقترن عمرهما بحالة الطوارئ إذا اعتبرنا أن مفهوم الجيل يُقّدر بعشرين أو خمسة وعشرين عاما.
ومع ذلك فإنه فى غمار هذه الفرحة يجب ألا ننسى عدة أمور. أولها ألا نعتقد أن قرار إلغاء مد حالة الطوارئ سيكون العصا السحرية التى ستجلب لنا تدفق الاستثمارات الأجنبية. ما زال هناك جهد كبير بانتظارنا يتعين إنجازه والنجاح فيه حتى يشعر المستثمرون بالفعل أن هناك مناخا طبيعيا ومستقرا ومطمئنا، هذا المناخ يحتاج إلى تحديث لا يمل ولا يكل لكى تصبح التشريعات واللوائح المنظمة للاستثمار أكثر جاذبية وتحفيزا وابتكارا، تماما كما نجحت بعض الدول الصغيرة حولنا التى لا تمتلك عشر ثروتنا البشرية، ولا عشر إمكاناتنا الاستثمارية، ولا عشر مساحتنا ومزايا موقعنا الاستراتيجي، ولا عشر ما نمتلكه من أدمغة ومواهب.
الأمر الثانى ألا تنسينا نشوة الفرحة ما قد يوجد من مخاطر إرهابية إقليمية حولنا معتقدين أن ذئاب الإرهاب قد ولّت إلى غير رجعة. ومهما تحدثنا عن أساطير فكرة المؤامرة، فالحقيقة المؤكدة الأمس واليوم وربما غدا أننا دولة مستهدفة لأسباب شتى ليس بمنظور الرغبة فى القضاء علينا، ولكن بمنظور الخشية من تطلعاتنا كقوة إقليمية قادرة على إيقاظ أحلام أمة عربية لا ينقصها بشر ولا موقع ولا ثروات ولا تاريخ. والمؤامرة فيما يبدو لى دائما هى علاقة غامضة وشائكة وشريرة بين متآمر قوى وذكى فى مواجهة متآمر عليه ضعيف أو أحمق. ومن هنا يصبح الحذر الوطنى والفطنة القومية سلوكين لا يجب الحيد عنهما.
الأمر الثالث أن إلغاء مد حالة الطوارئ سيترتب عليه كما هو معروف إلغاء محاكم أمن الدولة طوارئ وهذا جزء من أهمية القرار والفرحة، بل أن أحكام هذه المحاكم لم تكن تخضع لنظم الطعن المقرّرة قانونا بالنسبة للأحكام القضائية الصادرة من المحاكم العادية. هذا يعنى أنه من الآن فصاعدا فإن الجرائم التى كان يمكن أن تُحال الدعاوى الناشئة عنها إلى محاكم أمن الدولة طوارئ ستحال إلى المحاكم العادية، وهو ما سيلقى عبئا إضافيا أكبر على محكمة النقض التى تطول دورة نظر الطعون أمامها بحكم كثرة الطعون المرفوعة أمامها وقلة أعداد قضاتها والالتزام بمعايير جودة العملية القضائية وأصول تمحيص الطعون وتدقيقها التى جعلت من محكمة النقض المصرية وبحق أكبر صرح قضائى مرجعى فى المنطقة العربية كلها.
الأمر يعنى فى هذا الموضوع وغيره أن أحد التحديات التى تواجهها منظومة العدالة فى بلد المائة مليون نسمة والعشرة ملايين قضية بحسب الأرقام المتداولة هى ضرورة زيادة أعداد القضاة جنبا إلى جنب، مع تعميم وتطوير نظم العدالة الإلكترونية وهو ما قطعت فيه محاكمنا شوطا لا بأس به، وهناك خطط قائمة ومبشرة لإنجاز التحوّل الرقمى فى منظومة العدالة فى بلادنا تسهر عليها وزارة العدل.
الأمر الأخير أن فرحة إلغاء مد حالة الطوارئ تثير أحلاما أخرى مشروعة ومشرعة على مستقبل بلادنا فى عهد الرئيس السيسي. والعشم قائم أن تُبنى عليها أفراح بإنجازات أخرى فى المجال الحقوقي، وهذه حالة إيجابية لأن الأمم الحية هى التى لا تكف عن الحلم بالأفضل. وإذا كان رئيس جمهوريتنا الجديدة قد نجح فى أن يحقق تنمويا واقتصاديا على مدى سبع سنوات ما لم يتحقق ربما خلال الأربعين عاما الماضية فمن الطبيعى أن يكبر عشم المصريين فيه، وأن ينتظر منه الناس الكثير.
خلاصة القول إننا بهذا القرار نمضى بثقة على طريق مشروع تنموى كبير يستحق أن يظلله مشروع حقوقى من صنع إرادتنا ونبت واقعنا الصعب والشائك لكى يلهم الأرواح والطاقات وينقل مصر والمصريين من حال إلى حال.
-------------------------
أستاذ القانون الجنائى ــ جامعة الإسكندرية
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم رابط دائم: