رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حرب أكتوبر... لاتزال الدروس متواصلة

رغم مرور ثمانية وأربعين عاما على حرب أكتوبر المجيدة، إلا أن أصداءها لاتزال تسمع، ولاتزال الدروس المستخلصة منها متواصلة متدفقة. ونحن بحاجة ماسة إلى أن نعيد باستمرار ما تعلمناه منها. إن استدامة هذا الجهد يعتبر مطلبا ضروريا فى مجتمعنا المعاصر الذى يصبو إلى بناء أمة ناهضة تجد المكان اللائق بها بين الأمم الحديثة، وتضع إنسانية الإنسان وكرامته فى الصدارة. راودتنى كل هذه الأفكار وأنا استمتع بحضور ندوة الصالون الثقافى للدكتور أحمد جمال الدين موسى التى استضافتها جامعة بدر بالقاهرة، وتحدث فيها سبعة من أبطال الحرب (اللواء محسن النعمانى – اللواء أبو بكر الجندى – الفريق حمدى وهيبه – اللواء أسامة المندوه – اللواء أحمد عبدالرحيم – اللواء عبدالفتاح السحلى – دكتور حسن القلا)، قدم كل منهم خبرة خاصة، وأشار إلى دروس مهمة، وإلى قيم راسخة لمجتمعنا نحتاج إلى أن نتذكرها ونتواصل معها، ونبحث فى معانيها ونعلمها للأجيال الشابة والصغيرة.

وأستطيع هنا أن أعدد بعض الدروس التى جاءت فى كلام الأبطال المتحدثين بشكل مباشر أو ضمني. ومن أول هذه الدروس درس يستخلص من رد فعل المجتمع المصرى على نكسة ١٩٦٧، ورفضه للهزيمة أو السكوت عن حالة احتلال الأرض، وهو رفض لم يتجسد فقط فى إعادة الزعيم إلى مكانه بصوت شعبى ثائر، ولكن تجسد أيضا فى سرعة استجابة القوات المسلحة لإعادة بناء الصفوف والدخول فى حرب سريعة للاستنزاف استمرت لسنوات. ولقد سرد أبطال المعركة جانباً من ملحمة الصمود التى استعادت ذكريات حول البطولات التى قام بها أبناء القوات المسلحة فى عبور القناة ليلاً، والقيام بمهام قتالية أو مهام استطلاعية خلف خطوط العدو، أو حتى مهام قتالية فى البحر والتى أسفرت عن تدمير قطع بحرية. ولا تفهم هذه البطولات فى معناها الحربى فقط، ولكنها تفهم أيضاً فى دلالاتها الرمزية، فهى ترمز إلى رفض السقوط، ورفض الاستسلام، وتذكير العالم بأن من يزرع القمح قادر على حمل السلاح.

وثمة درس مهم آخر من الدروس التى نستلهمها من حديث أبطال أكتوبر؛ وهو أن ثمة جهدا بشريا كبيرا تم بذله فى الاستعداد للحرب، كان له مجليات عديدة منها رفع كفاءة المعدات العسكرية وتنويعها ووضع خطة للأولويات فى عمليات التسليح، ومنها التدريب الشاق والذى كشف بدوره عن قدرة القيادة العسكرية الفائقة على التخطيط، وعلى متابعة التنفيذ عبر توجيهات مكتوبة أصبحت الآن من أهم الوثائق العسكرية فى التاريخ المصري. ولاشك أن هذا الاستعداد المتميز قد ساهم فى رفع الروح المعنوية وأضاف زاداً جديداً للوطنية المصرية التى قدمت لنا درساً مهما من دروس الحرب تجسد فى صور عديدة من التضحية بالنفس والإقدام والجسارة ونبذ كل أشكال الخوف، كما تجسد فى صور من الإيثار والتنافس على الشهادة. ولقد أوجد هذا التنافس درساً رائعاً تمثل فى التنافس على تقديم ابتكارات هندسية ولوجستية ساهمت إلى حد كبير فى تحقيق المفاجأة والسرعة فى العبور دون خسائر كبيرة. ولعل الدرس الأهم هو تحمل المشقة، فى عمليات العبور، وهى مشقة زالت آثارها تماماً تحت لحظة التحمس والانتشاء بالرغبة فى تحقيق النصر بشكل سريع. لقد قدم أبطال أكتوبر نماذج (بالاسم أحياناً) على أبطال تحملوا مشاق كبيرة فى حمل المعدات وفى عبور الساتر الترابى وإحداث ثغرات فيه. وقد نكتفى بهذه الدروس، والتى تحتاج منا إلى تأمل كبير، وإلى نظر فى الاستفادة منها فى خطابنا المعاصر وممارساتنا فى التنمية والتقدم. لقد أشار أبطال أكتوبر فى أحاديثهم بشكل صريح إلى شخصية الإنسان المصري، ولقد تعرضوا كثيراً لهذا المفهوم فى حديثهم؛ مؤكدين أننا نمتلك سمات إيجابية تشكلت عبر حضارة طويلة تدل على وطنية فائقة وحب للأرض، والدفاع عنها بكل ما نملك، ورفض الانكسار والاستسلام، والقدرة الفائقة على الابتكار. وربما تكون هذه هى النقطة المفتاحية فى هذا الحديث. والتى أود أن أجادل حولها من زوايا ثلاث.

الزاوية الأولى تتعلق بما يشوب خطابنا اليومى والإعلامى من أوصاف سلبية عن الإنسان المصرى وقيمه ومبادئه الأخلاقية. ولقد كنت دائماً – ومازلت- ناقداً لهذا الجانب فى خطابنا اليومي، داعياً إلى أن نحاول أن نصلح ما افسدته الظروف التاريخية، وأن نستدعى دائماً الصفات الإيجابية الكامنة داخل المواطن المصري. لقد تكشفت هذه الصفات بجلاء فى الاستعداد للحرب وفى اثنائها، وأحسب أنها مازالت تتجسد فى كثير من الانجازات اليومية سواء على المستوى الوطنى العام أو على مستوى الأفراد فى معاشهم اليومي. وحرى بنا أن نعلى من شأن هذه الانجازات وأن نثمنها ونتحدث عنها ونقدمها فى المجال العام الاتصالي. ومثل هذا التوجه سيكون أفضل وأكثر تأثيراً فى تشكيل الهوية الوطنية.

أما الزاوية الثانية فإنها ترتبط بقضية التواصل بين الماضى والحاضر، أو ما يمكن أن نطلق عليه بناء الذاكرة الجمعية للأمة. فقد حافظت مصر على وجودها التاريخى عبر حقب طويلة من الزمن. وثمة ومضات تاريخية عديدة فى هذا الزمن الممتد. واحسب أن حرب أكتوبر تعد واحدة من أهم هذه الومضات التاريخية. ولاشك أن مزيداً من سماع أبطال أكتوبر فى المجال العام الاتصالي، ومزيداً من درس بطولاتها، وربطها بالأحداث التاريخية الكبرى عبر الزمن، يعمل على شحذ الذاكرة الجمعية ويعمق الضمير الجمعى للأمة.

ولا يمكن أن ننهى هذا الحديث دون اعتبار ثالث يرتبط بالأطر التكوينية للشباب والصغار. فنحن نقف على بعد ما يقرب من خمسين عاماً على حرب حقق الشعب فيها انتصاراً كبيراً، ولايزال بيننا أبطال شاركوا فى هذه الحرب وعاشوا أيامها المجيدة. وأحسب أنهم ثروة من ثروات الأمة، يجب أن يستفاد منها بأقصى درجة، بحيث ينقلون إلى الأجيال الجديدة خبرتهم وتاريخ أمتهم المشرف، فيشبون ولديهم الأمل الأكبر فى مستقبل أفضل، كما يشبون ولديهم ثقة كبيرة فى وطنهم.


لمزيد من مقالات د.أحمد زايد

رابط دائم: