رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الجمهورية الجديدة .. بناء النخب الوطنية

تستخدم كلمة النخبة عندما ينصرف الذهن إلى صفوة من الناس لديهم من القدرات العملية والتنظيمية والمهنية ما يمكنهم من أداء أدوار تكون أكثر تأثيراً من الأدوار العادية التى يؤديها عامة الناس. ورغم الاختلافات الكثيرة حول المفهوم، إلا أن ثمة إجماعاً على أن النخبة تكون دائماً أكثر تميزاً وأكثر قدرة على المبادأة والإقدام. ويميل علماء الاجتماع إلى توسيع مجال عمل النخب، فلا يقتصرون على النخب المركزية المعروفة فى سلطات الدولة الرئيسية التشريعية والتنفيذية والقضائية، ولكنهم يوسعون مجال النظر ليشمل النخب الفاعلة فى كل مجالات الحياة الاقتصادية والتربوية والاعلامية والثقافية، بل إنهم قد يتحدثون عن نخب محلية داخل القرى والمدن والأحياء السكنية داخل المدينة الواحدة. وتلتف هذه النخب المتعددة فى دوائر حول النخبة المركزية الحاكمة التى تعتبر أهم النخب وأكثرها تأثيراً، فهنا تتشكل التوجهات العامة والخطوط الرئيسية لسياسات المجتمع وأهدافه، والتى يضطلع المجتمع بتنفيذها بمساعدة النخب المتعددة والموجودة فى كل مجالات الحياة. ولعل هذا الفهم الواسع النطاق لتكوين النخب الاجتماعية يكشف عن أهميتها فى تسيير أمور الحياة، وفى تحمل المسئولية فى عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وإذا ما كانت مسيرة البناء المصرى المعاصر تعتمد أطراً جديدة فى التفكير والعمل، وتفتح آفاقاً رحبة للتنمية فى كل مجالات الحياة بطريقة علمية وارادة سياسية قوية، إذا كانت المسيرة تسير على هذا النحو، فحرى بنا أن ندرك أهمية بناء نخب وطنية فى كل مجالات الحياة.

ولقد آثرت أن استخدم تعبير النخب الوطنية لكى أؤكد الدور الوظيفى الفاعل لهذه النخب. فالنخب هى عين المجتمع، وهى يده التى تبدأ، وهى المولد لقوة الدفع فى العمل، وهى الباعثة للأمل فى المستقبل، وهى القاطرة البشرية التى تحمل الوعي. ولا يمكن أن يكون للنخب كل ذلك إلا كانت لها هذه الخصائص التى يمكن بناء عليها قيادة وطنية. فهى تقترب من هذا المستوى عندما تكون عيناً حارسة، أمينة، وصاحبة مثال للعمل المنضبط، والرؤية المشرقة للمستقبل، والوعى الكامل بالسياق والمنجزات والعثرات، مع القدرة الكاملة على القفز فوق كل المشاكل والتحديات. واحسب أن ثمة مفتاحاً لكل هذه الصفات الوطنية؛ يرتكز على تفضيل المصلحة العامة وتبنى القيم العمومية، والعمل من أجل المجموع، وزحزحة المصالح الفردية الضيقة إلى الخلف قليلاً فى سلم الأولويات، والعمل المخلص من أجل تحقيق طموحات القيادة السياسية للدولة وتجسيد أفكارها على أرض الواقع بقدر كبير من التفانى والإخلاص، لا بكثرة الكلام، وإنما بالعمل الذى يمكن أن يقاس بمؤشرات ملموسة .

ولاشك أن لكل نخبة من النخب فى المجالات المختلفة مهام خاصة بها داخل كل مجال، وكلما تقترب النخب فى أدائها من المستويات العليا من الوطنية، فإنها تطور لنفسها مبادئ عامة تحكم السلوك والتوجهات داخل المجال الفاعلة فيه. وتعمل هذه المبادئ بمثابة معايير أخلاقية لتوجيه السلوك، فى إطار دستور الدولة وأهدافها وخططها وتوجهات قيادتها السياسية. وتكتسب هذه التوجهات أهمية خاصة فى تحقيق الوظائف والمهام التى يحددها المجتمع لكل قطاع من قطاعات الحياة، بحيث تعمل هذه القطاعات فى شكل نسقى منسجم. إن المجتمع فى تكوينه العام يقوم على توقعات متبادلة بين الأفراد وبين الجماعات وبين النخب المتعددة. وفى الحالة التى نتحدث عنها فإن المجتمع يتوقع من النخب الفاعلة داخل كل مجال أن تلتزم بالمبادئ التى تجعلها أقرب إلى الالتزام الوطنى والواجب الاخلاقي.

ومن المفيد هنا أن نقدم أمثلة لبعض المبادئ العامة التى تعكس الحس الوطنى المتوقع من عدد من النخب. فالنخب الاقتصادية التى تمسك بزمام الاستثمار، يجب أن تتجه نحو الانخراط فى المشروعات التى تسهم فى بناء ثروة الأمة وزيادتها عبر إنتاج القيم المضافة، وأن يكون لديها وعى كبير بالمسئولية الاجتماعية لرأس المال. فتوجه جزءا من أرباحها لخدمة المجتمع ومساعدة الدولة على أداء مهامها فى تقديم الخدمات العامة وأن تقدم النموذج الأمثل فى الالتزام بدفع الضرائب وعدم التهرب منها، وعلى نفس المنوال تسير النخبة الإدارية التى يتربع أعضاؤها على قمة الهرم البيروقراطي، فتعمل جاهدة على إدارة الاقتصاد والخدمات العامة بأعلى درجة من النزاهة والشفافية والاحترام. أما النخبة السياسية التى تدير العمل الحزبى والممارسات السياسية فإنها يجب أن يكون لديها قدرة هائلة على التدبر العقلي، والرشد المدني، والقدرة على التنافس السياسى بعيداً عن الكراهية والاستبعاد والتهميش. أما النخب المدنية التى تتشكل من الفاعلين الرواد فى المجتمع المدنى وقادة العمل النقابي، فإن المبدأ الذى يحكم توجهاتهم وأداءهم يرتبط بالقدرة الفائقة على التشبيك الإيجابى وبناء الثقة والتعاضد الجمعي، والبعد عن التشليل السلبى أو الانزواء خلف الملاذات الضيقة كالعائلة والاقليم والدين. وتبقى النخبة التعليمية والنخبة الإعلامية، وكلاهما يرتبط بالآخر من حيث التأثير التكوينى فى الأجيال الصغيرة. ولذلك فإن كليهما يجب أن يتجه نحو بناء الالتزام والشعور العميق بالواجب الأخلاقى والمسئولية الاجتماعية، وغرس هذه القيم فى الصغار عبر التعليم أو الاتصال الجماهيري. ولا بأس لو تعلمت كل نخبة من الأخرى، بحيث تتحول كل المبادئ إلى مبادئ عامة يتم شحنها وبثها من داخل النخبة ولكنها تشع على كل أرجاء المجتمع، ويكون المحرك الأساس لها الطاقة والإرادة ونماذج الأداء المثالية القادمة من القيادة العليا للبلاد. هل جاوزت القول فى المثالية، لا أظن ذلك، فحتى لو جاوزت القول، فإن الفعل اليومى والممارسات الحياتية تكون دائماً أفعالاً وممارسات أكثر أصالة واستقامة إذا ما تاقت إلى المثل العليا والفضائل السامية؛ وإذا لم تستطع النخب أن تؤسس لهذا الشوق إلى الفضيلة فقد يخونها الطريق.


لمزيد من مقالات د.أحمد زايد

رابط دائم: