رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الجمهورية الجديدة.. دفاع عن الجدارة والإنجاز

يحق لنا أن نسأل ونحن نؤسس لمجتمع جديد عن أهم المعايير التي تحكم الأداء والممارسات الاقتصادية والمهنية والخدمية فيه. ويمكن التفكير هنا في معايير عديدة يسهل أن نشتقها من الدستور ومن التأكيدات التي ترد في الخطاب السياسي للدولة. وأحسب أن من أهم هذه المعايير معيار الجدارة والإنجاز، ويكتسب هذا المعيار أهميته من اعتبارات ثلاثة: الأول أن تحقيقه يؤدي بالضرورة إلى معظم المعايير الأكثر شيوعاً وأهمية مثل العدالة والمساواة والشفافية والنزاهة وغيرها من المعايير، والثاني أن كسر معيار الجدارة والإنجاز يثير قدرا كبيرا من الامتعاض في نفوس البشر ويؤدي بهم إلى اللامبالاة, والثالث يرتبط ببناء المجتمع الجديد الذي يجب أن يشجب كل ما تراكم في الخبرات التاريخية السابقة من سلبيات والتي كان من أهمها إهدار معيار الجدارة والإنجاز.

وقد يكون مفيدا أن نبدأ بالتعرف على بعض مظاهر هذا الإهدار. ويسوقنا الحديث إلى الحالة التي كان عليها المجتمع المصري قبل عام ١٩٥٢ والمسار الذي سار فيه بعد ذلك. لقد كان هذا المجتمع مجتمعا لا يعرف للجدارة مكاناً، فقد كانت مفاهيم العائلة والطبقة تشكل معايير الحكم على الأشخاص وتقييم انجازاتهم وحجم الفرص التي يحصلون عليها. ولقد عمل رجال الثورة على تقليص هذه المعايير وادخلوا معايير العدالة الاجتماعية التي أدت بدورها إلى أن تصبح الجدارة وما يرتبط بها من انجاز من أهم المعايير السائدة. ولكن المسارات التي سار فيها المجتمع عبر سياسات التحول الرأسمالي غير المنظم وما ارتبط به من تغول قوى السوق والقيم المادية إلى أن يخبو معيار الجدارة، وأن تظهر أشكال من خرقه أو الاعتداء عليه. ومن مظاهر ذلك عودة الملاذات القديمة للعائلة والطبقة إلى صدارة الاهتمام، مع إضافة ملاذات أخرى كالملاذ الديني؛ والحكم على الأفراد وتقييم ممارساتهم في ضوء اعتبارات لا علاقة لها بما يملكونه من معارف أو مهارات أو قدرات وإنما بما يملكونه من مظاهر للاستهلاك أو شبكات رأس المال التقليدية (القرابة والشلة والعلاقات الزبائنية) ولاشك أن ذلك كله يؤثر على إتاحة الفرصة حيث تسلب الجدارة ويحل محلها اعتبارات أخرى. لا يعني ذلك بطبيعة الحال أن معيار الجدارة قد اختفى تماما، فماتزال هناك ممارسات بارقة لا تحيد قط عن أسس تطبيقه وما يترتب عليه من استحقاقات. إننا نؤكد فقط أن ثمة خطراً بازغاً يترصد بالمجتمع ناتجاً عن خرق هذا المعيار، ونحسب أنه قد يصنع ثقوباً في جدار المجتمع ولحمته الاجتماعية والثقافية. ونحن بحاجة ماسة إلى سد هذه الثقوب فيما نطمح إليه من بناء جديد.

وهنا يظهر السؤال الهام: ماذا يعني هذا المعيار في بناء المجتمع، وما الفائدة المرجوة منه؟ يشتق مفهوم الجدارة في اللغة العربية من فعل (جَدَرَ) أي بني حيث يقال جَدَر الجدار أي بناه، وبذلك فإن الجدارة تعني التفوق الذي يكشف عن التأسيس الجيد. ولا يختلف المعنى العام لمفهوم الجدارة عن هذا المعنى اللغوي، فهو يعني الاستحقاق، فالجدير بالشىء هو الشخص الذي يستحقه أو هو الأقدر بين نظرائه. ولاشك أن هذه القدرة لا تكتسب إلا بالعمل والمثابرة والانجاز، ومن هنا كان الارتباط بين مفهوم الإنجاز والجدارة، فالجدير بالشيء هو شخص منجز، والشخص المنجز هو الشخص الجدير المستحق.

وتلعب الجدارة وما يرتبط بها من إنجاز دورا كبيرا في بناء المجتمعات الحديثة. فإذا كانت هذه المجتمعات تبني أساسا على مفهوم للمواطنة ينظمه الدستور والقانون، فلا سبيل إلى بناء علاقات متينة وواثقة بين المواطنين إلا عبر معايير الجدارة والإنجاز وما يترتب عليها من استحقاق. فهذا المعيار هو الذي يؤسس لمفهوم المساواة العمومية، أي أنه يخلق شعورا عاما لدى المواطنين بأنهم مواطنون بصرف النظر عن أي اعتبار. وإذا كنا نفهم المواطنة على أنها طاقة وجودية تتشكل في أفئدة الناس وعقولهم، فإنها تستعصى على التشكيل إذا ما غاب معيار الجدارة والإنجاز. ومن ناحية أخرى فللجدارة دور كبير في تشكيل النخب الاقتصادية والسياسية والإدارية والمهنية التي تدير عمليات التنمية. فإذا تكونت هذه النخب وفقاً لما يحمله أفرادها من معارف وقدرات ومهارات فائقة، فإنها سوف تنجح نجاحاً كبيراً في تحقق الأهداف العامة للمجتمع، كما أنها سوف تكون مصدر إشعاع لبث معيار الجدارة والإنجاز في كل الممارسات، بحيث يصبح سمتاً عاماً لكل أداء وكل ممارسة.

ومن نافلة القول أن نؤكد في النهاية الدور الذي تلعبه الجدارة في التعليم ذي الجودة العالية، والذي يقوي بدوره من سيادة معيار الجدارة وتأسيسه في الذات الفردية والعمومية. فالتعليم في حد ذاته يعتمد على عمليات تعلم لا تقوم فقط على نقل المعارف والمهارات، وإنما تقوم أيضاً على تأسيس مبدأ الجدارة في النفوس. فنظام التقويم ونظام منح الدرجات في الامتحانات والتمييز بين الطلاب بناء عليها هو نظام يغرس مفهوم الجدارة بشكل غير مباشر؛ إذ يعلم الطلاب أن من يستحق النجاح هو الجدير القادر فقط. ولذلك فإن إعلاء مبدأ الجدارة في التعليم يساعد كثيراً في إدراك المساواة العمومية. فعندما ينغرس معيار الجدارة والانجاز في ذوات الأفراد وضمائرهم، فإنه يتحول إلى قيمة عمومية، تؤسس للمثل الأعلي في التفاعلات الحياتية والحكم على الأمور، ومنح الفرص، وتقدير الإنجازات والممارسات بحيث يجري لسان حال المواطن في معظم ممارساته وأدائه المهني والعملي بمثل هذه الاحكام: هذا المواطن جدير بالاحترام والتقدير، هذا المرشح للعمل جدير بأن يمنح الفرصة، هذا الإنجاز العظيم جدير بالتقدير، هذه الممارسة جديرة بأن تحترم. وعندما يجري لسان حال المجتمع كله بمثل هذه الأقوال فإنه يتعرق بالثقة المتبادلة والاحترام المتبادل. وتعد الدولة وأجهزتها المختلفة رائدة في نشر هذه القيمة وغرسها في جسد المجتمع. ولا شك أن الإنجازات العظيمة التي نشهدها الآن، وما تنم عنه من جودة عالية في التنفيذ، ومستويات مرتفعة من النزاهة والشفافية في الإدارة، وإرادة قوية في الإقدام والاستدامة، تؤشر على إمكانات كبيرة لأن يكون البناء الجديد الذى ننشده هو بناء يقدم نموذجاً مثالياً للجدارة والإنجاز ويدافع عنها كقيمة ومثل أعلى للسلوك.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: