رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اجتهادات
نزعة إنسانية انتقائية!

ليس عصيًا على الإدراك تراجع النزعة الإنسانية0 فى مختلف أنحاء العالم. لا يعنى تراجعها أنها انتهت. ربما يكون هذا ما آلت إليه فى سياسات حكومات الدول الكبرى بصفة خاصة، ومعظم الحكومات فى العالم بوجه عام. أخفقت كل محاولات إضفاء بُعد أخلاقى على هذه السياسات، وثبت أن المصالح أقوى من أن يمكن تطعيمها بشئ من المبادئ إلا على سبيل التجميل.

ولكن النزعة الإنسانية بقيت لدى بعض البشر فى كثير من المجتمعات0 تتسم تصرفات بطابع إنسانى0 وبينهم من ينذرون أنفسهم للمساعدة والإغاثة بشكل مستقيم, ودون تمييز. نجدهم موجودين حين توجد حاجة لهم. وهم مختلفون عن آخرين يبدو للوهلة الأولى أنهم مُشبعون بالنزعة الإنسانية. ولكن سرعان ما يتبين أن هذه النزعة عندهم انتقائية، إذ يتعاطفون مع ضحايا هنا، ويُدعمَّون جلاَّدين هناك.

وليست قليلةً الأمثلة على هذه الانتقائية. خذ مثلاً معظم من يتفانون فى مناهضة التمييز ضد السود مثلاً، أو ضد النساء، ويقفون فى الوقت نفسه مع من يمارس تمييزًا لا يقل وطأة إن لم يزد ضد الشعب الفلسطينى. دماء كل الفلسطينيين الذين قتلتهم, وتقتلهم, قوات الاحتلال الصهيونى لا تساوى لديهم دم الشاب الأمريكى الأسود جورج فلويد الذى قُتل فى أثناء القبض عليه فى مينيسوتا فى مايو 2020. قُتل مئات الفلسطينيين خلال العام وثلث العام منذ ذلك الوقت دون أن يلتفت إليهم إلا عدد قليل من المشاركين فى حركة (حياة السود تُهم) وأنصارها فى أمريكا وأوروبا.

وبين الشهداء الفلسطينيين نساء، وفى أسر قوات الاحتلال مثلهن. ولكنهن لا تمثلن شيئًا لناشطات أوروبيات ينتفضن دفاعًا عن حقوق المرأة، ويشن بعضهن الآن تحديدًا حملة شعواء فى إنجلترا ضد مجموعة قصصية للأطفال (النمر جاء لاحتساء الشاى) اعتقادًا فى أنها قد تدفع الأولاد إلى ممارسة تمييز تجاه البنات، وربما تحولهم إلى مُتحرشين عندما يكبرون، برغم أنها وجهة نظر لا تشاركهن فيها أخريات.

إلى هذا الحد تصل الانتقائية فى الموقف الإنسانى: تحرك ضد احتمال حدوث تمييز متخيل، وتجاهل أحد أبشع أشكال هذا التمييز وتجلياته كل يوم فى أرض فلسطين.


لمزيد من مقالات د. وحيد عبدالمجيد

رابط دائم: