رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المتطلبات السياسية للجمهورية الجديدة

يفهم علماء الاجتماع السياسة على أنها نظام يحوي مجموعة من الأجهزة التي يناط بها مهمة تحقيق الأهداف الجماعية والإدارة العامة، والمحافظة على النظام العام عبر التخطيط للاستخدام الأمثل للموارد لتحقيق حياة آمنة وكريمة للسكان، والحفاظ على تماسك المجتمع واستمراره عبر توجه واضح للمستقبل، والحفاظ على الهوية الحضارية للمجتمع في إطار تفاعل خلاق وبناء مع محيطه الإقليمي والعالمي، وإدارة التفاعلات السياسية في الداخل والخارج بطريقة تحقق الأهداف العليا للاستقرار والاستمرار والنمو المتصاعد. ولاشك أن هذا الفهم للسياسة هو فهم أشمل وأعمق يصور النظام السياسي على أنه نظام شامل دائم التفاعل مع محيطه الداخلي والخارجي، عبر ممارسات سياسية تلتزم بالمواثيق التي أنتجتها الإرادة العامة للمجتمع (الدستور والقانون)، أو التي أنتجتها الإرادة الدولية (المواثيق والاتفاقيات الدولية). إننا هنا بصدد مؤسسات وممارسات متشابكة مع الجسد الاجتماعي، وهي لا تفهم الا في ضوء علاقاتها المتشابكة به .وفي إطار هذا الفهم العام يحق لنا أن نطرح أفكاراً حول المتطلبات السياسية في التكوين الاجتماعي الذي نسعي الي بنائه. فلا شك أن المتطلبات المتصلة بالمواطن، أو المتصلة بالأداء المهني في ضوء اعتبارات أخلاقية لا تتحقق إلا في إطار تفاعلات سياسية منظمة، ونظام سياسي فعال لديه القدرة الحقيقية على إنتاج القوة اللازمة لإدارة المجتمع والحفاظ على تماسكه واستقراره ورفاهية سكانه.

وإذا كنا نفهم السياسة على هذا النحو العام، فإننا لن ندخل في تفاصيل الممارسات السياسية، بقدر ما نثير عدداً من الأفكار حول قضايا عامة نبدؤها بقضية إدارة العلاقة بالنظام العالمي في إطار العولمة. فالنظم السياسية في معظم الدول تعيش ظروفاً معقدة في نظام عالمي تتحكم فيه قوى كبرى صاحبة مصالح ظاهرة وخفية، ويتحكم فيه رأس المال بما يفرضه من أساليب للاحتكار والتهميش والعزل، كما يخضع لتطورات هائلة في عالم التكنولوجيا الرقمية والاتصال. وتشكل كل هذه المظاهر ضغوطاً على أي دولة وطنية نامية، فهي تفرض عليها اختيارات تحتاج إلى ممارسات وقرارات سياسية. ولاشك أن الجمهورية الجديدة تقوم على نظام سياسي نشط وفعال، وهذه الفاعلية تتأكد وتحقق استدامة عبر إدراك لطبيعة التفاعل مع القوي الاقتصادية والسياسية المعقدة للنظام العالمي، وتطوير آليات محسوبة لهذا التفاعل، الذي يمكن الإشارة إلى أربعة منها: التكيف العقلاني الذي يقوم على الانتقاء الرشيد، والنظر الدائم إلى تعظيم المصالح والفوائد الداخلية، وحشد الطاقة الابتكارية لتحقيق اسهام فعال ذي طبيعة علمية وتكنولوجيا وثقافية، وتعزيز القوى التنافسية المحلية لتصبح شريكاً في التنافسية العالمية، وكل ذلك في إطار الإيمان بأن القوة السياسية، وما يحيط بها من قوى ناعمة، تنبع بالأساس من القوة الاقتصادية والمعرفية.

وينقلنا ذلك إلى قضية مهمة تشكل مطلبا ضرورياً في إطار تحقيق الاستقرار والتماسك، وهي الوعي بطبيعة المخاطر المحدقة بالمجتمع. ومع إيماني بأننا نحقق درجة كافية من هذا الوعي، إلا أننا بحاجة إلى معرفة طبيعة الخطر، وأساليب التعامل معه، وأشكاله المتغيرة. ومن المعروف أن المخاطر في العالم المعاصر هي أهم عامل في تفكيك المجتمعات وغرس القلق والتوتر في جسدها الاجتماعي، ولكن مجتمعاتنا على وجه الخصوص تواجه خطراً فائقاً ومضاعفاً يرتبط بالدور الذي يلعبه التطرف والإرهاب، ومشكلات التزايد السكاني، وعدم التوازن بين الموارد والحاجات، والنمو الهائل في الطموحات الشبابية في ظل السيولة والتدفق في المعلومات والأجندات الفكرية. ومثل هذا المجتمع يحتاج إلى الوعي بالمخاطر، وأن يدرك أن الهدف النهائي لهذه المخاطر هو خلق قوى لتفكيك البنية الاجتماعية وتهديد التماسك الاجتماعي. ويتحقق ذلك عبر توجيه المنصات الفكرية والإعلامية بأهمية رصد المخاطر والكشف عن طبيعتها المتغيرة وأهدافها، وتطوير آليات لمواجهتها.

ويحتاج مثل هذا المجتمع الجديد إلى نخب سياسية واقتصادية وثقافية من نوع خاص. إن هذه النخب، والتي تشكل النقاط المفصلية في المجال التشريعي، والتنفيذي والقضائي، والمدني، هذه النخب لها أهمية خاصة في إدارة شئون المجتمع، وفي تحويل توجهات القيادة السياسية إلى قرارات على أرض الواقع، ومتابعة هذه القرارات. وكلما كانت هذه النخب على درجة عالية من الوعي، والإخلاص السياسي، استطاعت أن تؤدي دورها على الوجه الأكمل. ليست السلطة ومظاهرها الشكلية، وليس الجمع والالتقاط للمنافع المادية والمعنوية، ولعل التدريب والتوجيه الذي تقوم به الأكاديمية الوطنية لتدريب الشباب، للقيادات الوسيطة في مختلف المجالات، يكون أساساً لتكوين النخب الصالحة.

ويحتاج كل ما سبق إلى متطلب مهم ذي بعد سياسي-اجتماعي، وهو إدارة الاختلاف. ولا يعد هذا الموضوع أقل أهمية من الموضوعات السابقة, فبناء الدولة الوطنية القوية لا يتحقق الا بالإجماع على مجموعة القواعد المنظمة للحكم، والتي يعبر عنها الدستور على نحو واضح. ولكن تنفيذ القواعد الدستورية والقانونية في سياقات معينة يمكن أن يواجه بعدد من المشكلات، ويمكن أن يؤدي إلى زيادة حدة الخلاف، خاصة إذا كانت النخب التي تدبر الاختلاف على أرض الواقع ذات هوى ومطامع شخصية. وهنا تكون الحاجة إلى تنفيذ القواعد الدستورية في إطار من العمل المدني المنظم، أو في إطار من الديمقراطية المنظمة، التي تؤسس للسياسات العامة للدولة في إطار من الخبرة والمعرفة والدراية، والتي ترسى مبادئ للعدالة الاجتماعية التي لا تترك أي فرصة للاستحواذ أو التهميش، والتي تتيح الفرصة لكل الأطراف لمشاركة فعالة في الحياة العامة، بقدر من الشفافية والنزاهة، واحترام الحقوق المتبادلة. وكل ما سبق لا يتحقق إلا بمواطن ملتزم يعرف الواجب الأخلاقي والمسئولية الأخلاقية، ويسخر طاقة المواطنة المخزونة داخله من أجل رفعة الوطن. فالمجتمعات يبنيها البشر، وهي لا تصح إلا بصحتهم الجسدية والعقلية، ولا تستمر في الوجود إلا بدأبهم وإخلاصهم في العمل، والخروج عن دوائر الذات الضيقة للدخول بقوة إلى أحضان الوطن.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: