رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المتطلبات المهنية فى الجمهورية الجديدة

لقد أكدنا فى المقال السابق عملية بناء الواجب الأخلاقى عبر تناول مفهوم المواطنة، ونسوق هنا حديثاً يتناول جانبا آخر من جوانب التكوين البشرى، وهو الجانب المهنى. فالواجب الأخلاقى وما يفرضه من تدفق طاقة المواطنة النشطة الخلاقة يفرض على الإنسان أن يؤدى عمله على خير وجه، وأن يعتبر هذا العمل وسيلة لتحقيق وجوده الأخلاقى الحق. إن بناء الجمهورية الجديدة، والإنسان الجديد الذى يشيدها ويرعاها يحتاج إلى العمل، وإلى الإخلاص فيه والتفانى فى إجادته. وإذا كان الرئيس يؤكد أننا يجب أن ننفذ الأشياء كما يقول الكتاب، فإن هذا يدعونا إلى أن ننظر بعمق فى أدائنا المهنى، وأن نراجع هذا الأداء فى حياتنا الجديدة لكى يتوافق مع ما هو فى الكتاب أو يقترب منه على أقل تقدير. وبمراجعة أحوالنا المهنية نجد أنها تعانى مشكلات ثلاث لابد من الاعتراف بها ومواجهتها. الأولى مشكلة النكوص المهنى، وأعنى به عدم اكتمال التكوين المهنى والحرفى. فالداخلون الجدد إلى عالم ممارسة المهن وعالم ممارسة الحرف اليدوية قد لا يتقنونها على الوجه الأكمل، وقد نجد فى بعض الأحوال جرأة كبيرة على اقتحام عالم المهنة دون تكوين كامل. هذا فضلاً عن أن الدخول إلى بعض المهن يرتبط بمعايير ذاتية يؤسس لها رعاة المهنة الكبار ويعتبرونها تراثاً لا يمكن الحياد عنه (قد نفكر فى هذا السياق فى الذين يدخلون إلى بعض المهن بمعدلات منخفضة من الإنجاز التعليمى أو عبر المعارف والأقارب). كل هذه الظروف تجعلنا بصدد حالة من النكوص المهنى الذى يقلل من إمكانات التنافسية على المستوى الإقليمى أو العالمى. نحن لا ننكر هنا تلك الحالات البارقة التى تحطم كل الحواجز، وتخترق كل الجدر المهنية عبر العالم. ومع فخرنا بهذه الحالات إلا أنها تبقى حالات فردية تهرب إلى السياقات المحفزة التى تيقظ امكاناتها.

وثمة مشكلة أخرى أكثر أهمية وهى إهمال المهنة. فالمهن لا تصقل إلا بالمران والتدريب، ولا تجاد إلا بالرعاية. وفصل القول فى هذا الموضوع أن المهن لا تحصل بالحصول على شهادة جامعية وحسب؛ إنما المهن تحصل بالرعاية والتطوير. ولذلك فقد طرح التربويون مفهومى التعليم الذاتى، والتعلم المستمر، لتأكيد استمرارية عملية التعلم بعد الحصول على الشهادة، وبعد الالتحاق بعالم المهن. وإذا لم يتم ذلك فسوف يزداد النكوص لا محالة، فالأستاذ الجامعى الذى لا يتابع الجديد فى علمه، ولا يتعلم المهارات الجديدة فى عمليات التعلم والبحث، لن يستطيع أن يكون أستاذاً بحق. وينسحب هذا الأمر على كل المهن، التى تحتاج دائماً إلى قدر كبير من الصقل والإجادة، وبخاصة المهن المتصلة بالصحة و بالعقل والعلم؛ فالتدهور فيهما يعنى تدهور أحوال الإنسان الحياتية والعقلية.

وتبقى مشكلة ثالثة وأخيرة تتصل بطبيعة الأكواد الأخلاقية الحاكمة للسلوك المهنى أو الحرفى بين مقدم الخدمة وطالبها. إن هذه العلاقة يجب ألا تترك قط للتقديرات الشخصية، أو أن تترك لكى ينظمها مقدم الخدمة على هواه ووفقاً لوقته وظروفه الخاصة، أو أن تخضع لأشكال من سوء الاستخدام أو الاستغلال، بحيث تتحول مهن التكوين الصحى والعقلى إلى مهن تحكمها عمليات الربح والخسارة أو أن تدار على أسس اقتصادية بحته.

واذا ما تأملنا الأحوال المهنية فى مجتمعنا على هذه المعايير الثلاثة: الاكتمال، والرعاية والتطوير، والالتزام بالأكواد الأخلاقية . فسوف نكتشف بعض أشكال الخلل التى ألمحنا إلى بعضها ولم نذكرها حصراً أو تفصيلاً. وأحسب أن هذا التأمل قد يدعونا إلى أن نجرى دراسات سريعة حول أشكال الخلل فى الأداء المهنى، وأن نربط الانتقال إلى المجتمع الجديد بعمليات تغيير جوهرية تستهدف تحقيق هيكل مهنى يتواكب بحق مع متطلبات المواطنة، أى أن ينطلق من مفهوم الواجب الأخلاقى؛ بحيث تُعرف المهنة، لا على أنها مجرد معارف ومهارات فحسب، بل هى أولاً وقبل كل شىء واجب تجاه الله وتجاه المجتمع، وتجاه النفس حاملة الضمير الأخلاقى المدنى الحديث. فعلى هذا الضمير الأخلاقى تتأسس الأخلاق المهنية التى تبدأ منذ أن يختار الشخص مهنته. فالواجب الأخلاقى يدعوه إلى أن يختار المهنة التى تتلاءم مع قدراته واستعداداته، لا من أجل ما تعود به من مال أو مكانة.

ومن المفترض أن تستمر عملية التكوين المهنى فى نفس الإطار. فالاختيار الصحيح للمهنة لابد أن يتبع بالبحث عن الجودة العالية فى التكوين المهنى، وعن الاكتمال المهنى. ولا يجب أن يؤدى الطلب الكثير على مهن بعينها أن نقصر فى تكوينها المهنى، ذلك أن هذا التقصير هو نذير بانهيار العمران وفقاً لنظرية ابن خلدون. فالصنائع تستجاد بزيادة الطلب عليها وليس العكس، وهذا الطلب يتزايد مع نمو العمران المدينى. ونضيف إلى كلام ابن خلدون أن استجادة المهنة (الصنعة) بزيادة الطلب عليها يعنى الاحترام العميق للمجتمع ولطلاب الخدمة التى تقدمها هذه المهنة.

ويفترض فى الاكتمال المهنى أن تتحول المهنة من مهنة خدمة إلى مهنة إنتاج. فالطبيب لا يكتفى بتقديم الخدمة الطبية، وإنما يجب أن يسهم فى تطوير مهنة الطب من خلال ابتكار حلول جديدة للمشكلات الصحية. وهكذا يكون ديدن الأستاذ الجامعى، والمهندس المعمارى، والصيدلانى، والمحاسب، والقاضى، وكل صاحب مهنة أو حرفة أو وظيفة. كما يفترض فى الاكتمال المهنى أن تقدم الخدمة المهنية كخدمة فى حد ذاتها بصرف النظر عن العائد منها.

قد تبدو هذه النظرة على أنها نظرة مثالية أو رومانسية لا تتلاءم مع الواقع. ولكن المجتمعات، والعلاقات الإيجابية البناءة بين البشر، لا تتأسس على تبادلية مطلقة للمصالح أو المنافع، وإنما تتأسس أيضاً على تبادلية للمشاعر والتدفقات الأخلاقية، كما أن المهن إذا ما استجاد أداؤها وحسنت ملكاتها فإن المجالات أو الحقول التى تمارس فيها تتحول إلى مضخات للقيم النبيلة والفضائل التى تتلاقى وتنصهر لتشكل منظومة مجتمعية للبناء والتقدم.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: