ليس غريبا أن تأتى مشكلة الهجرة غير المشروعة على رأس أولويات القارة الإفريقية، نظرا لما تمثله من مشكلات تجعلها تتصدر المباحثات الإفريقية مع دول التماس فى أوروبا وغيرها.
فى البداية، كان الحديث عن دول الشمال الإفريقى على اعتبار أنها البوابة الشمالية للقارة السمراء وأول المصدرين لتلك الأزمة لدول الاتحاد الأوروبى منذ عام 2015 ، الذى شهد تدفق موجات المهاجرين عبر تلك الدول إلى أوروبا وأبرزهم ليبيا وتونس، ثم انتقل الحديث عن الدول «الترانزيت» التى يمر بها المهاجرون لحين الوصول لدول الشمال الإفريقى كالنيجر وغيرها، ومن هنا أتت معضلة التصدى، فهل تبدأ من المحطة الاخيرة أى دول الشمال ،أم من محطات التوقف « الترانزيت «،أم أن الحل يكمن فى الوقوف على أسباب الهجرة فى الدول المصدرة للمهاجرين أى الدولة الاصلية للمهاجر؟
فوسط المعارضة الداخلية لإدماج المهاجرين داخل المجتمع الاوروبى التى شهدتها دول المهجر كألمانيا وتركيا واليونان وفرنسا وايطاليا وغيرها ، حاولت تلك الدول توقيع اتفاقيات للحد من الأزمة، كتلك التى وقعتها الحكومة التركية مع الاتحاد الأوروبي، فى مارس عام 2016، والتى شهدت عودة اللاجئين السوريين الذين وصلوا من الجزر اليونانية إلى تركيا، فى مقابل حصول تركيا على 6 مليارات يورو مساعدات من الاتحاد الأوروبى للمهاجرين واللاجئين. ولكن الوضع يختلف كثيرا فى إفريقيا نظرا لمرور معظم دول الشمال الإفريقى بظروف أمنية استثنائية وقفت حائلا أمام السيطرة على تلك السواحل. ورغم نجاح بعض الدول فى السيطرة على الأوضاع الداخلية، إلا أن أخرى غرقت فى بحرالانفلات الأمنى، مثل ليبيا التى تعانى تدهورا شديدا فى الأوضاع الأمنية خلال العشرة أعوام الماضية وفشلت فى السيطرة على السواحل وما يرتكب بها من جرائم بسبب الهجرة. فالجارة الغربية تحولت الى مركز للهجرة غير المشروعة وشهدت سواحلها جرائم لا تعد داخل معسكرات المهاجرين من اغتصاب وتجارة بالبشر وأعمال عنف خلال فترة سيطرة الجماعات المسلحة على تلك السواحل، وبالتالى فشلت كل محاولات دول المهجر فى التوصل إلى اتفاقيات ملزمة تمنع تدفق المهاجرين من هناك .
هذا بالاضافة إلى دول «الترانزيت» كالنيجر والتى تعانى سيطرة جماعات إرهابية على الحدود مع ليبيا، وهو الأمر الذى لعب دورا مهما للغاية فى تفاقم الأزمة ، و جعل دول الاتحاد الأوروبى تفكر فى حلول أخرى للتصدى لتلك الظاهرة بعيدا عن الحلول الأمنية ، سواء بالتفكير فى الترحيل أو توقيف تلك القوارب وسط المتوسط وترحيلها إلى أقرب دولة على الساحل الإفريقى. وبالحديث عن أزمات الهجرة غير المشروعة لابد من الوقوف عند نقطة غاية الأهمية، وهى أن المشكلات الناتجة عن الهجرة لا تقف عند دول المهجر فقط والتى تعانى أزمات معظمها يتعلق بكيفية احتواء هؤلاء المهاجرين ودمجهم داخل المجتمع. فهناك مشاكل أخرى تصيب دولة المهاجر الأصلية تتعلق بندرة الكفاءات وقلة عدد الشباب وتأثر الوضع الاقتصادى نتيجة سحب المهاجرين المدخرات النقدية الأجنبية من البلاد لاستخدامه فى السفر، بالإضافة إلى شبح العودة الذى يؤرقها بعد أن يتم ترحيل مهاجريها مرة أخرى إليها محملين بأزمات نفسية وجسدية ومالية .
وهنا يظهر الوجة القبيح لتلك الأزمة ومدى تأثيرها على القارة الإفريقية ، خاصة وأن تقارير منظمة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة فى السنوات الأخيرة تشير إلى تفوق نوعى وتوعوى وتعليمى فى أنواع المهاجرين إلى أوروبا ، حيث كشفت إحصائيات المنظمة الدولية مؤخرا عن أن راغبى الهجرة أصبحوا أكثر ثقافة وتعليما، وحتى أقل فقرا من هؤلاء الذين فضلوا البقاء فى بلادهم الأصلية. وهو الأمر الذى قد يعيد النظر فى الأزمة بشكل عام ، فلم يعد الفقر والحرية والقمع السياسى هى الأسباب التى تقف وراء الهجرة، بل إن عوامل أخرى بدأت تظهر فى الأفق، جميعها تتعلق بالرغبة فى الارتفاع بمستوى المعيشة والحصول على مستقبل أفضل.
رابط دائم: