رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هوامش على دفتر التطبيع (1ـ2)

سُئلت فى إحدى المحاضرات من شخصية عربية محترمة تنتمى لبلد عربى عزيز مرشح للحاق بقطار التطبيع السريع عن رأيى فى الاتفاقات العربية الأخيرة مع إسرائيل وما يُقال من أنها ستُوظف لمصلحة القضية الفلسطينية فأجبت بالتفرقة بين أمرين أولهما أن الحق فى عقد اتفاق بين أى دولة عربية وبين إسرائيل هو حق سيادى تمارسه الدولة وفقاً لما تراه مصلحة لها سواء كانت تلك المصلحة تسهيل الحصول على أسلحة متقدمة أو العودة إلى الأسرة الدولية أو كسب دعم دولى فى قضية مهمة بالنسبة للدول المُطَبعة، ومن حق الآخرين طبعاً الاختلاف مع هذا السلوك لاعتبارات يرونها تتعلق بالأمن القومى العربى أو القضية الفلسطينية تحديداً، وقد كانت مصر فى الأعوام1977-1979 أول دولة تتفق مع إسرائيل لضمان استكمال انسحابها من سيناء بعد حرب أكتوبر المجيدة، أما القول إن هذه الاتفاقات سوف تُوظف لمصلحة القضية الفلسطينية فقد استأذنت مُحَدثى فى الاختلاف، ليس لا سمح الله لأنى أشك فى نيات المُطَبعين تجاه القضية، ولكن أولاً لأن نيتانياهو لم يترك مجالاً لشك فى الشعار الجديد للمرحلة وهو السلام مقابل السلام، أى أن مردود السلام مع إسرائيل هو السلام مع الدول الذى أنجزته وكفي، ولكن الأهم أن هذه هى الدروس القاطعة لما يزيد على نصف قرن من خبرة التعامل مع إسرائيل فى عملية التسوية السياسية للصراع معها منذ قبل الرئيس عبد الناصر قرار مجلس الأمن242لعام1967، وتشير هذه الدروس إلى ما يرقى لمرتبة القانون العلمى وهو أن إسرائيل لم تقدم أبداً أى تنازل طوال صراعها مع العرب إلا عندما أُعملت القوة ضدها بالمعنى الشامل للقوة وليس فقط بمفهوم القوة العسكرية، ولنبدأ القصة من أولها.

جاءت الخطوة الأولى على طريق التسوية على يد الرئيس عبد الناصر بعد 5 أشهر من عدوان1967، وذلك عندما قبل القرار242 على أساس أن ديباجة نسخته الفرنسية تضمنت أبعاد المعادلة الجديدة التى سُميت لاحقاً التسوية التاريخية أى الانسحاب من الأراضى المحتلة مقابل الاعتراف بإسرائيل1948، فقد ورد أمران فى هذه الديباجة أولهما عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة المسلحة وهو ما أسس فى الجزء العملى من القرار للنص على انسحاب إسرائيل من الأراضى التى احتلتها في1967، وثانيهما حق جميع دول المنطقة فى العيش داخل حدود دائمة وآمنة ومعترف بها، ومعنى هذا بوضوح الاستعداد للاعتراف بوجود إسرائيل بعد أن تنسحب من الأراضى التى احتلتها فى عدوانها، غير أن أحداً لم يعر عبد الناصر التفاتاً حتى بدأت حرب الاستنزاف وتصاعدت ووصلت إلى حد التهديد الحقيقى لإسرائيل فهرول ويليام روجرز وزير الخارجية الأمريكى آنذاك وتقدم بمبادرته لوقف إطلاق النار والبدء فى التفاوض بين مصر وإسرائيل لتنفيذ القرار242، وهو ما لم يحدث لأنها تذرعت بأن عبد الناصر استغل ليلة وقف إطلاق النار لتحريك النسق الأمامى لصواريخ الدفاع الجوى إلى الشاطئ الغربى للقناة بما يحرم إسرائيل من السيادة الجوية فى سيناء فى مدى هذه الصواريخ، ويحمى من ثم القوات المصرية فى عملياتها العسكرية المحتملة فى الشرق فى هذا المدي، ولم يسمح الرحيل المفاجئ لعبد الناصر بعد أقل من شهرين بإعادة الحياة إلى هذه المبادرة، لكن الدرس يبقى واضحاً وهو أن الخصم لم يتحرك إلا بفعل القوة.

وفى الشهور الأولى لولاية الرئيس السادات تقدم بمبادرته الشهيرة فى فبراير1971 ومفادها أنه إذا انسحبت إسرائيل جزئياً إلى خط المضايق كمرحلة فى جدول زمنى يوضع لاحقاً لتنفيذ القرار242، فإن مصر على استعداد للبدء فوراً فى تطهير قناة السويس وإعادة فتحها للملاحة الدولية، ورغم المغريات الهائلة لإسرائيل فى هكذا مبادرة على أساس أن إعادة فتح القناة للملاحة الدولية سوف يكون بمثابة إنهاء فعلى لحالة الحرب ومن ثم استدامة لاحتلال سيناء إلا أن غرور إسرائيل جعلها ترفضها، فلم يعد أمام السادات سوى مواصلة الطريق الذى كان قد بدأ بعد الهزيمة مباشرة بالصمود ثم حرب الاستنزاف وصولاً إلى حرب أكتوبر المجيدة التى لولاها لما تمكن من تحقيق الانسحاب الإسرائيلى الكامل من سيناء بعد مبادرته الشهيرة في1977 والتى أفضت لاحقاً إلى توقيع اتفاقيتى كامب ديڤيد فى 1978، وكانت أولاهما أساساً للمعاهدة المصرية-الإسرائيلية فى 1979 بينما سُميت الثانية إطار السلام فى الشرق الأوسط، وكانت اجتهاداً منه لم يكلفه به أحد من العرب لكى يثبت أنه لم يتخل عن القضية العربية، وإن خلت هذه الاتفاقية من أى إشارة للمسار السوري، ونصت على حكم ذاتى للفلسطينيين تتفاوض عليه مصر وإسرائيل والأردن، الذى رفض المشاركة فى عملية التفاوض، فاقتصرت على مصر وإسرائيل وانتهت بالفشل بعد أن تأكدت مصر أن المفهوم الإسرائيلى للحكم الذاتى لا يعدو أن يكون سوى غلاف لتحسين صورة الاحتلال، ولنتأمل بوضوح فى دلالة ما جري، فقد أُجبرت إسرائيل على الانسحاب من كامل سيناء بعد أن تأكدت من خلال حرب أكتوبر أنها لن تستطيع تأمين بقائها فيها بينما تمسكت بوجهة نظرها فى المسألة الفلسطينية تماماً لأن ضغطاً ما من أى نوع لم يُمارس عليها فى هذا الصدد، وحتى الآن فإن المؤشرات على طبيعة السلوك الإسرائيلى وكيف أنه لا يقدم تنازلات إلا بالقوة مستمدة من الخبرة التفاوضية المصرية-الإسرائيلية، وفى الجزء الثانى من هذه المقالة إن شاء الله سوف نرى كيف أن هذه الخبرة قد تكررت على الصعيد العربى حرفياً عندما تآكل الاعتراض العربى على التسوية السياسية للصراع ابتداءً من مبادرة فاس1982 وكيف أن كل ما قدمته إسرائيل من تنازلات منذ ذلك التاريخ لم يحدث إلا بعد توظيف واضح وناجح للقوة وليس استجابة لأى نوعٍ من النيات الطيبة.


لمزيد من مقالات ◀ د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: