رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مؤسسات العمل العربى المشترك

تعتبر جامعة الدول العربية بما لها وما عليها هى المؤسسة العربية الأولى للعمل العربى المشترك، ونحن نعترف بأن محصلة مواقف الدول الأعضاء منها ليست كما يجب أن تكون، فالإرادة السياسية لدعم الجامعة ليست متوافرة والأمين العام يؤذن أحيانًا فى (مالطة)، ويتحرك هنا وهناك ويستقبل الشخصيات الدولية ويلقى التصريحات التى تعكس الروح القومية، ولكن الأمر مختلف للغاية فلم تعد جامعة الدول العربية هى ذلك الوعاء العروبى الذى يحتوى إرادات الدول فيكون محصلة أمينة لمواقفها المشتركة، ويكفى أن نذكر بكل أسف أن بعض الدول العربية لا تسدد التزاماتها المالية للجامعة وتضعها فى موقف صعب كل فترة وربما مع بداية كل شهر! وإذا كانت الجامعة هى المظلة لمؤسسات العمل العربى الأخرى اقتصادية وثقافية وفئوية إلا أننا نشعر أحيانًا بأننا نستسهل انتقاد الجامعة دون محاولة إصلاحها ودعمها ماديًا وسياسيًا وإعلاميًا، فنحن نصب جام الغضب على الجامعة ويسميها البعض الثلاجة الكبيرة الرابضة على ضفاف نيل القاهرة، وهذا ظلم بين واجتراء على الحقيقة ولكن المشكلة الحقيقية تكمن فى أن معظم الدول العربية قد آثرت المضى فى جلد الذات وتحميل الجامعة كل خطايا العمل العربى الغائب، والجامعة لها ذراع اقتصادية فى القاهرة، وذراع ثقافية فى تونس، وذراع ثالثة للمرأة العربية فى القاهرة أيضًا، فضلًا عن المجلس الاقتصادى والاجتماعى والإدارات المستقلة لخدمة التنمية الاجتماعية فى أنحاء الوطن العربي، ولها أذرع أخرى فى مكاتبها الإعلامية ببعض العواصم الأجنبية فضلًا عن بقايا جهاز المقاطعة الذى كان يتمركز فى دمشق ولها معهد كبير وعريق للدراسات العربية فى القاهرة تولت إدارته أسماء كبيرة بدءًا من الدكتور طه حسين وصولًا إلى أستاذ العلوم السياسية النابه أحمد يوسف فضلًا عن معهد للمخطوطات رشحت مكتبة الإسكندرية حاليًا واحدًا من أفضل خبرائها ليكون مديرًا جديدًا له، وفى كل الأحوال فإننا يجب أن نقر بأن الجامعة ـ رغم كل المآخذ عليها ــ قد سدت فراغًا كبيرًا فى الفضاء العربى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن، ويكفى أن عبد الناصر بشعبيته الكاسحة وزعامته القوية قد تعاون مع الجامعة ولم يقف ضدها بل اعترف بها مظلة دائمة للقمم العربية فى عهده ومن بعده، وقد توافد على أمانتها العامة شخصيات كبيرة بدءًا من عبد الرحمن عزام الذى كان اختيارًا مصريًا سعوديًا بالدرجة الأولى ثم عبد الخالق حسونة الذى قضى أكبر فترة فيها ثم محمود رياض وزير خارجية مصر الأسبق ثم تولاها التونسى الراحل الشاذلى القليبى عندما انتقلت مؤقتًا إلى تونس بسبب سياسات كامب ديفيد ثم تولاها الدبلوماسى المصرى المخضرم عصمت عبد المجيد الذى تلاه الدبلوماسى المتميز الذى تثير مواقفه الجدل وتوقظ المشاعر وأعنى به السيد عمرو موسى ابن الدبلوماسية المصرية ثم تلاه نبيل العربى الفقيه القانونى والقاضى الأسبق بمحكمة العدل الدولية حتى جاءت إلى واحد من أصدقائى المقربين وهو أحمد أبو الغيط الذى يتميز بأنه خلاصة لخبرة الخارجية المصرية فى الداخل والخارج فضلًا عن حصافة غريزية تجعله يعرف ماذا يقول؟ ويعرف أيضًا ما يجب ألا يقال، والذين عابوا على الجامعة أن امناءها العامين كانوا مصريين لأنهم من دولة المقر يجب أن يدركوا أنهم قد فعلوا الشىء نفسه عندما اختاروا تونسيًا وهى فى مقرها هناك، وأنا أدرك أن مجلس الوحدة الاقتصادية ومنظمة العمل العربى فضلًا عن اليونسكو العربية فى تونس هى روافد فاعلة فى تنشيط العمل العربى ودفعه إلى الأمام كل فى مجاله ولكن الأمر الذى لا خلاف عليه هو أن المخرجات من العمل العربى المشترك مازالت ـ منذ إنشاء الجامعة ــ أقل بكثير من أحلام الذين وقعوا بروتوكول الإسكندرية فى قصر (انطونيادس) وهو لا يزال فى حوزة مكتبة الإسكندرية التى أتشرف بإدارتها، ولقد حاول الكثيرون من مندوبى الدول المختلفة مشاركة الأمين العام عبر العقود الأخيرة فى إصلاح الجامعة سياسة وأسلوبًا وإعلامًا وميزانية ولكن معظم هذه الجهود لم تكلل بالنجاح وتبقى ملاحظتان يجب أخذهما فى الاعتبار:

الأولى: إن الساحة العربية قد تغيرت، ولم يعد الصراع العربى- الإسرائيلى بشكله القديم بل طرأت عليه تغيرات هيكلية, خصوصًا هذا العام، جعلت كثيرًا من أساليب الجامعة فى حاجة إلى مراجعة وفقًا للأوضاع الجديدة، وأتذكر فى ستينيات القرن الماضى عندما سألت أستاذى الراحل د. بطرس بطرس غالى عن جدوى الجامعة العربية فقال: إنها على الأقل تمنع أن يغرد طرف عربى وحده خارج السرب ويفتح جسورًا للاتصال مع إسرائيل، وبدا الكلام وقتها مدهشًا، حتى أننى سألته: وما هى نقطة الضعف التى تتوقع منها هذا الشرود؟ وكانت إجابته بلا تردد: ربما لبنان، وها نحن نرى دولة (شجرة الأرز) وهى قابضة على مواقفها القومية حتى الآن!

ثانيًا: إن تركيز الجامعة على القضايا الاقتصادية والثقافية قد يكون بديلًا فاعلًا لتنشيط دورها بدلًا من انتظار التغيرات السياسية المفاجئة أو التحولات غير المتوقعة ذلك أن الدنيا قد تغيرت كما أن العالم قد تحول ويبقى التكامل الاقتصادى هو العمود الفقرى لمفهوم الاندماج القومى كما أن العامل الثقافى هو المتغير المستقل فى العلاقات الدولية المعاصرة، فالعرب قد يختلفون سياسيًا واقتصاديًا ولكنهم غالبًا ما يتفقون ثقافيًا، فالتعليم والآداب والفنون هى ركائز حقيقية لتفعيل مؤسسات العمل العربى المشترك التى نتحدث عنها.

هذه نظرة عاجلة على قضية مؤثرة فى مستقبل العرب على اختلاف توجهاتهم، وتنوع أفكارهم، وتباين انتماءاتهم.


لمزيد من مقالات د. مصطفى الفقى

رابط دائم: