رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الطبقة الوسطى ... تحديات التبادل العام

درج الفلاسفة على تأكيد مبدأ مدنية المجتمع، فقالوا إن الإنسان حيوان اجتماعى أو هو مدنى بطبعه. وكان المقصد من وراء ذلك هو الدفاع عن مبدأ عام فى تأسيس الحياة الاجتماعية وهو مبدأ التعاون, فالعمران أو الاجتماع البشرى لا يستقيم أمره إلا بالتعاون، وكما يقول ابن خلدون: فإن قدرة الواحد (من البشر) مقصورة على تحصيل حاجته، مما يعنى أن تعاونه مع الآخرين هو أساس وجوده، ومن ثم فهو أساس العمران كله. ويقوم التعاون فى الحياة الاجتماعية على مبدأ التبادلية العمومية, التى تعنى ببساطة أن الحياة أخذ وعطاء، وفقًا لمبادئ المساواة والمواطنة والاشتراك الجمعى فى تأسيس الحياة واستمراريتها. ولقد مكن هذا المبدأ المجتمعات من أن تستمر فى الوجود، بل إن المجتمعات أكدته عبر ابتكار آليات للعطاء دون الأخذ (أو الأخذ المؤجل) كما فى نظام الهبة والهدية مثلاً. وقد يحق لنا أن نسأل أنفسنا، ونحن نتأمل حياتنا المعاصرة، سؤالاً أحسب أنه الأهم وهو: هل يستقيم مبدأ التبادلية فى السلوك العام، وبشكل أخص بين أبناء الطبقة الوسطى التى يجب أن ترعاه وتعلمه لبقية أفراد المجتمع؟ وإذا وضعنا السؤال على محك الواقع، فسوف تصادفنا مشاهدات مقلقة تدعونا إلى أن نفترض أن ثمة جرأة على مبدأ التبادل العام، تكاد تصل فى بعض جوانبها إلى تحدى هذا المبدأ أو تهديده. لنتأمل معاً الأسئلة التالية: لماذا نفكر دائمًا أننا نعطى دون أن نذكر شيئاً عما نأخذ؟ لماذا نشعر بأن الآخرين مدينون لنا دون أن نقر بأننا مدينون لهم أيضاً؟ لماذا لا نترك بعض الآخرين يكملون كلامهم حتى النهاية؟ لماذا نتبارى فى الخطاب اليومى نحو الاستحواذ على الكلام؟ ولماذا يكون كلامنا هو أفضل الكلام وأحسنه، وأفعالنا أفضل الأفعال؟ لماذا يتصور كل منا نفسه على أنه الملاك الفاضل أو الكتاب المفتوح أو الرجل المعطاء أو المرأة المعطاءة دون أن ننبس ببنت شفة عن مثالبنا؟ لماذا يكون أولادنا هم أفضل الأولاد والأكثر فضيلة وأدبا؟ ولماذا يجب أن يحصل أولادنا على حقوق قد لا يحصل عليها الآخرون؟ ولماذا نحاول فى الأداء المهنى أن نحقق أهدافنا على حساب الآخرين؟ ولماذا لا نعطى الصغار والشباب حقهم فى التعبير والبوح؟ ولماذا نسلب المرأة بعض حقوقها؟ ولماذا نسرف فى الأخذ عندما يكون الذى أمامنا كريمًا جواداً؟ ولماذا نمنع الآخرين من بعض مساحات الحركة؟ ولماذا نحب خضوعهم واستسلامهم؟... أسئلة كثيرة تقابلها حقائق تنكشف لنا فى تفاعلاتنا اليومية، ونحن نتقبلها دون أن نناقشها أو نتأملها بعمق وكأنها أمور معطاة لا جدال فيها.

أحاول فى هذا المقال أن أجادل حول هذه المشاهدات بافتراض أنها جميعاً أساليب تحكمها أطر ثقافية أكثر انتشاراً فى مجتمعنا، وهى أكثر انتشاراً بين أعضاء الطبقة الوسطى التى تتعاظم طموحاتها يوماً بعد يوم، والتى يربو فيها الصراع على المواقع والمكانة والسلطة. ولا يغيب عن بصيرة الباحث المدقق أن هذه الممارسات تتحدى مبدأ التبادل العام الذى أكدنا فى صدر المقال أنه أصل العمران ونواته الصلبة، وهى بالتالى توشك أن تهدده. فالتفاعل هنا يميل إلى خلق صور أو فضاءات شاذة من التبادلية. حقيقة أن هذه الأنماط يمكن أن توجد فى كل المجتمعات، ولكننا نفترض أنها أكثر تجلياً بيننا. ويمكن فهم هذه الصور الشاذة من التبادلية وفق ثلاثة أنماط تختلف فى درجة انتشارها وعمقها باختلاف الظروف والسياقات. الأولى وهى التبادلية الاعتمادية (أو الاستزلامية)، وهى الصورة الأكثر شيوعاً، حيث يظهر الميل نحو تفضيل التبادل بينَ أطراف غير متكافئة (تابع ومتبوع - قوى وضعيف- صاحب وفرة ومحروم). يتشكل التبادل هنا بين صوت قوى وآخر خافت أو خائف أو متوجس، فلا تكون تبادلية مستقيمة بحال. أما الصورة الثانية فإنها تتشكل عبر تبادلية استحواذية تعبر عن الجانب المتطرف الذى يظهر فيه الميل إلى السيطرة المقصودة على مسار التفاعل، بل السيطرة على حقل التفاعل كله إذا سمحت الظروف بذلك. يقوم هذا النمط من التبادلية على حب التملك، والتمركز حول الذات، بحيث يعيش الشخص أحلى لحظاته عندما يأخذ ويستحوذ، ويغضب ويرفس إذا رفع صوت أمامه. وتتشكل الصورة الثالثة عندما يبلغ الاستحواذ مداه فيتحول إلى استبعاد، فتكون التبادلية الاستبعادية التى تضع الآخرين فى هامش الدائرة وتسيطر بشكل كامل على مجمل الحقل. وتقف هذه الصور الثلاثية أمام الصورة الأكثر عدلا، التى تقوم على التكافؤ التام أو على الأقل مراعاة مبدأ عمومية المساواة (حيث يبقى كل صاحب مكان فى مكانه وكل مؤد لدور فى دوره ولكن الكل يؤمن أن المساواة تلف الجميع).

ولاشك أن تقدم المجتمعات، بما يصاحبه من نمو للضمير الجمعى والوعى العام بالواجب الأخلاقى تجاه المجتمع وتجاه الآخرين يرتبط بالتقدم نحو التخلى عن الصور الشاذة من التبادلية والاقتراب من الصورة المثالية لها. فرغم ما ينشد حول هذه الصور السلبية من تفضيل، وما تتسم به من استمرارية فى ضوء نمط الحياة الذى يرتضيه الأفراد لأنفسهم، رغم ذلك إلا أن أضرارها ومخاطرها على النسيج الاجتماعى العام جسيمة. فهى تعمل على تعميق الشعور بعدم المساواة بين الأفراد، وتفسد أرصدة التضامن الاجتماعى وما يحيط به من تسامح وثقة وتعاون، وتقلل من القدرة على أداء الأعمال الجمعية أو الأعمال المشتركة، وتعمق التوتر والتوجس بين الأفراد، وتخلق مساحات لاحتكار بعض الفضاءات الخاصة والعامة، وغير ذلك من المخاطر التى تهدد النسيج الاجتماعى العام، وتعمل على تفكيك أواصر الطبقة الوسطى من الداخل، وتحد من قدرة أفرادها على خلق تجمعات تشاركية مدنية ناجحة وفعالة (أفكر فى هذا السياق فى مشكلات الصراع الكثيرة على احتكار السلطة وفرض السيطرة، والتى تظهر داخل الأحزاب والنقابات وبعض المؤسسات المهنية). وتدخل هذه المخاطر فى نطاق ما يمكن أن نطلق عليه المخاطر الكامنة، التى تفعل فعلها ببطء ودون أن نشعر بها، وهى بذلك تكون أكثر خطورة من المخاطر الظاهرة التى يمكن أن تواجه بالتدخل السريع أو بالتشريع الصارم. ولذلك فإن الوعى بها، ووضعها فى الحسبان يشكل طريقاً سليماً نحو تفاديها، وعدم تحولها من تحديات إلى مخاطر وتهديدات تضع العراقيل أمام الاقتراب من نموذج التبادلية الوسطية العادلة والمسئولة التى نأمل ان تسود بيننا .


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: