رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الفرص الضائعة (2)

تناولت في المقالة الماضية ما يُقال عن فرص ضيعها الفلسطينيون في نضالهم من أجل استعادة حقوقهم، اخترت منها قرار تقسيم فلسطين1947، ومبادرة الرئيس السادات1977 التي أفضت إلى معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية، وفي هذه المقالة أتناول فرصة لم يضيعها الفلسطينيون فضيعتهم، وهي المسار الذي انتهى باتفاق أوسلو1993، ولنبدأ القصة من أولها، ففي نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبالتحديد في ديسمبر1987 تفجرت الانتفاضة الفلسطينية التي عُرفت بانتفاضة الحجارة واستمرت بشكل أو بآخر حتى كارثة الغزو العراقي للكويت1990، وبسبب الحسابات والمواقف الخاطئة للقيادة الفلسطينية تجاه الغزو فقد الفلسطينيون جانبا مهما من الدعم العربي الرسمي، غير أن صدام حسين كان قد نجح في تجييش قطاع يُعتد به من الرأي العام العربي بمبادرته التي اشتهرت باسم مبادرة الربط، ومفادها أن الغزو العراقي للكويت ليس الحالة الوحيدة في الوطن العربي، فهناك الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، وما كان صدام يسميه الاحتلال السوري للبنان في إطار تدخل القوات السورية في الحرب الأهلية اللبنانية بطلب من رئيس الجمهورية اللبنانية، فهيمنت لاحقا على مقدرات لبنان، وذهب صدام إلى ضرورة حل كل هذه المشكلات وفقاً لترتيبها الزمني بحيث نبدأ بالخلاص من الاحتلال الإسرائيلي فالسوري ثم تُبحث الحالة العراقية-الكويتية على ضوء الحق التاريخي للعراق في الكويت ورغبة الشعب الكويتي، ولأن الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الأب كان من أكثر الرؤساء الأمريكيين حنكة إن لم يكن أكثرهم فقد أدرك قوة الرأي العام العربي المضاد للاحتلال الإسرائيلي ووعد ببذل أقصى الجهد للتوصل إلى تسوية بعد إخراج القوات العراقية من الكويت.

نجح بوش ووزير خارجيته جيمس بيكر في التوصل إلى صيغة توفق بين المطلب العربي بعقد مؤتمر دولي والمطلب الإسرائيلي الذي يريد مسارات ثنائية للتفاوض كي ينفرد بكل طرف عربي على حدة، ومن الناحية العملية آلت هذه الصيغة إلى مسارات ثنائية، فقد اقتصرت فعاليات المؤتمر الدولي في مدريد1991 على جلسة افتتاحية عبر فيها كل وفد عن مواقفه ثم تفرع إلى مسارات ثنائية تلاعبت بموجبها إسرائيل بالمسار الفلسطيني وفقا لنموذج معضلة السجينين في نظرية المباريات فأظهرت مرونة لافتة في بداية المسار السوري على نحو أشاع الأمل في قرب توصله إلى نتيجة، ولقد التقيت الوفد التفاوضي الفلسطيني في القاهرة في إحدى الندوات في فترة توقف للمفاوضات وكان لدى أعضائه يقين بأن اتفاقية سورية-إسرائيلية باتت وشيكة، وكانت الرسالة الإسرائيلية للفلسطينيين واضحة «لقد حُسم المسار المصري منذ أكثر من عقد وهاهو المسار السوري على وشك أن يُحسم فتمسكوا بالثوابت كما تريدون ولن يقف إلى جواركم أحد»، وفي هذا السياق استُدرج الفلسطينيون إلى مسار أوسلو الذي تولت التفاوض فيه عناصر الاعتدال الفلسطيني على العكس من الوفد الفلسطيني إلى مدريد بقيادة المرحوم حيدر عبد الشافي، وليس لدي أي دليل على أن ما حدث كان مخططاً (تشدد في مدريد ومرونة نسبية في أوسلو) لكن المحصلة كانت اتفاق أوسلو الذي ربح فيه الفلسطينيون اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير كممثل للشعب الفلسطيني، وهي نقلة نوعية في الموقف الإسرائيلي بعد مبدأ أرض بلا شعب (أي فلسطين) لشعب بلا أرض (أي اليهود)، كما ربحوا عودة إلى جزء من أرضهم المحتلة وإن لم يملكوا السيادة عليه ومؤسسات للحكم اعتُبرت في جو التفاؤل السائد آنذاك نموذجا جنينيا لدولتهم القادمة، لكنهم بالمقابل اعترفوا بدولة إسرائيل فيما لم تعترف بدولة لهم وقبلوا مسارا تفاوضيا مفتوحا لا يحسم أي قضية من قضايا الوضع النهائي، وهذا هو دأب إسرائيل في جميع الاتفاقيات التي حاولت وضع أطر للحل بدءا بكامب ديفيد وانتهاء بخريطة طريق جورج بوش الابن.

ولم تكد تمضي ثلاث سنوات على اتفاقية أوسلو1993 إلا ووصل اليمين المتشدد إلى الحكم في إسرائيل بزعامة نيتانياهو، ومع أن ذات اليمين المتشدد ممثلا في مناحم بيجن هو من وقع مع السادات معاهدة السلام إلا أن المسار الفلسطيني بالنسبة لإسرائيل يختلف من حيث أهميته وميزان القوى الذي يحكمه، ففلسطين هي أساس الأرض التاريخية لإسرائيل حسب زعمهم ومصر أثبتت بحرب أكتوبر أن إسرائيل لا تستطيع هضم احتلالها لسيناء، ولذلك كان إبعادها عن مسار الصراع العسكري ضرورة لإسرائيل كي تنفرد بالمسار الأهم، وهكذا أعلن نيتانياهو أنه لن يلتزم بأوسلو، ورغم الضغوط الدولية وبالذات الأمريكية في ظل رئاسة كلينتون ورغم فقدان اليمين المتشدد السلطة في إسرائيل ما بين هزيمته في انتخابات1999 وفوزه في انتخابات 2009 إلا أن مسار أوسلو بقي متعثراً، وعلى الرغم من أن العرض الذي قُدم لعرفات في مفاوضات كامب ديفيد2000 كان أفضل من غيره إلا أنه لم يصل إلى الحد الفلسطيني الأدنى الذي يجعله يقبل التوقيع على تسوية تنهي الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي دون الاستجابة لهذا الحد الأدنى، ورغم أن خليفة عرفات أبدى مرونة فائقة إلا أن التصور الإسرائيلي للتسوية جعلها مستحيلة القبول من أشد المعتدلين اعتدالا، وهانحن بعد أكثر من 27سنة على أوسلو نقف عند نقطة الصفر إن لم نكن قد تراجعنا عنها بفعل الاستيطان الكثيف، ناهيك عن مهزلة صفقة القرن، ويتحدثون الآن عن فرصة جديدة قد تلوح مع إدارة بايدن مع أن أقصى ما يمكن أن يفعله هو التخلص من فجاجة سياسات ترامب وتحيزها الصارخ دون أن يدخل عليها أي تغييرات جذرية، أما الفرصة الضائعة الوحيدة التي أهدرتها النخب الحاكمة الفلسطينية ومازالت رغم الانكسارات التي تعرضت لها القضية فهي استعادة الوحدة الوطنية التي تمَكن وحدها من بناء استراتيجية فاعلة للنضال الفلسطيني لا يمكن دونها تحقيق أي تقدم في مسار هذا النضال كما تشير خبرة الصراع مع إسرائيل، وقد أعود لهذه القضية لاحقا.


لمزيد من مقالات ◀ د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: