رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الفرص الضائعة (1)

انتويت الكتابة في هذا الموضوع الأسبوع الماضي لولا حاجتي إلى الرد على الشريط «التعليمي» الذي وجهه ذلك الدبلوماسي الإسرائيلي للشعب المصري، وكانت النية راجعة لذكرى صدور قرار تقسيم فلسطين في 27 نوفمبر 1947 وهي المناسبة التي تتواكب عادة مع انتقادات للشعب الفلسطيني بأنه عبر مسيرته الطويلة من أجل نيل حقوقه ضيع عديداً من الفرص كان من شأنها أن تجعله الآن في حالٍ غير الحال، وأناقش في هذه المقالة هذه الفكرة مركزاً على قرار التقسيم ومبادرة الرئيس السادات التي يُتهم الفلسطينيون بأنهم لو كانوا قد التحقوا بها لتفادوا ما يعانونه الآن، أماخطة ترامب للسلام فلا أعتقد أن أحداً يجرؤ على أن يصفها بالفرصة الضائعة لأنها تمثل الضياع بعينه للقضية الفلسطينية.

وفي الحديث عن فرصة قرار التقسيم الضائعة يجب التذكير بثلاثة أمور أساسية أولها حقوقي وهو أن أصل القضية أن فلسطين تخص الفلسطينيين، وأن نسبة سكانها من اليهود قُدرت في القران الـ19بـ2% ولم تكن قد وصلت إلى 6% في1914 أي بعد 17سنة على إعلان المؤتمر الصهيوني الأول هدف إنشاء الدولة اليهودية في فلسطين وقبل وعد بلفور في1917بثلاث سنوات، وقد فتح الانتداب البريطاني منذ1922 أبواب الهجرة لفلسطين بهدف زيادة نسبة اليهود من سكانها وهو ما يبين الطبيعة الاستعمارية للمشروع الصهيوني، وليتصور أي منا أنه عاد إلى أرضه يوماً فوجد أغراباً يقيمون عليها فلما لجأ إلى القضاء قسمها بينه وبين مغتصبيها، فهل يُفترض فيه أن يقبل تلك القسمة غير العادلة فوراً؟ ويقول البعض بوجود حق تاريخي لليهود في فلسطين وهو قول خطير يجب أن ننتبه ونحن نناقشه أن الله سبحانه وتعالى قد أرسل سيدنا موسى لفرعون على أرض مصر وأن لليهود تاريخاً في الجزيرة العربية وغيرها، فهو قول يصلح لتبرير أي أطماع توسعية في الأرض العربية وليس في فلسطين وحدها، أما الأمر الثاني فهو سياسي ومفاده أن من يتحدثون عن الفرص الضائعة يسقطون فكرة الطابع التوسعي لدولة إسرائيل بمعنى أنه حتى لو قبل الفلسطينيون بقرار التقسيم في حينه فإن إسرائيل لم تكن لتتوقف إلا بعد الاستيلاء على كامل أراضي فلسطين، وهو ما فعلته تحديداً في عدوان يونيو1967 الذي تعتبره حرب تحرير للمتبقي من أرض إسرائيل التاريخية، ومعلوم أن إسرائيل تزعم أنها نفذت بالكامل القرار242 الذي ينص على انسحابها من الأراضي التي احتلتها بعد العدوان على أساس أنها جلت عن سيناء بينما تشكل أراضي الضفة الغربية وغزة ما تبقى من أرض إسرائيل التاريخية، بل لقد ضمت الجولان السورية لاعتبارات أمنية وليست تاريخية وهو ما يقدم دليلاً إضافياً على الطابع التوسعي للكيان الإسرائيلي بعيدا عن الأساطير التاريخية، ويبقى الأمر الثالث وهو أنه حتى لو أخذنا بمنطق الفرص الضائعة فإن الدول العربية القائمة آنذاك وليس الفلسطينيون الذين لم يكن لهم كيان رسمي وقتها هي التي رفضت قرار التقسيم لدى التصويت عليه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ودخلت جميعها الحرب بعد ذلك في محاولة لوأد الدولة الإسرائيلية، بل إن قرار التقسيم لم يحصل على الأغلبية المطلوبة إلا بشق الأنفس بعد التغيير الذي حدث في موقف الاتحاد السوفيتي (وكان ممثلاً في الأمم المتحدة بثلاثة أصوات- باعتبار أوكرانيا وروسيا البيضاء عضوين مستقلين) ومجموعة الدول التابعة له نتيجة نجاح الحركة الصهيونية في التأثير على العصب الحساس في عملية صنع القرار السوفيتي، وتشير هذه الملابسات إلى وجود اتجاه قوي في الأسرة الدولية آنذاك لاعتبار مبدأ التقسيم ظالماً ومسبباً لعدم استقرار وهو ما حدث بالفعل.

أما الفرصة الضائعة الثانية فهي تلك التي ارتبطت برفض الفلسطينيين اللحاق بالرئيس السادات في مبادرته الشهيرة التي انتهت بتوقيع معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية، وأنهم لو كانوا قد فعلوا لأنقذوا أنفسهم مما وصل إليه حالهم الآن، ومرة أخرى لم يكن هذا في حينه موقفا فلسطينيا فحسب وإنما كان موقفا عربيا يتسق وقرارات قمة الخرطوم (أغسطس - سبتمبر 1967)، والأهم من ذلك أن وعي السادات بأن تلك القرارات تمنع الحلول الأحادية جعله يحرص على ألا يتوصل في مفاوضات كامب ديفيد 1978 إلى اتفاقية تضع أساسا لحل المسار المصري-الإسرائيلي فحسب وإنما توصل معها إلى إطار للسلام في الشرق الأوسط، لكن هذا الإطار لم يتحدث بحرف عن المسار السوري واكتفى بالنسبة للفلسطينيين بالحديث عن مفاوضات تشارك فيها إسرائيل مع مصر والأردن باعتبارها ممثلة للفلسطينيين! وهدف المفاوضات هو التوصل إلى حكم ذاتي لهم وليس لإعمال حقهم في تقرير المصير، وتأكيداً من الرئيس السادات على الطابع العربي لمبادرته حرص على وضع علم منظمة التحرير الفلسطينية على مائدة التفاوض في أولى جولاته بعد زيارة القدس في مينا هاوس، غير أن بيجن رفض دخول القاعة إلا بعد إزالة العلم، وهو ما يعني أنه حتى لو كان الفلسطينيون قد حضروا لما قبلت إسرائيل ذلك لأن نهجها التفاوضي قائم أصلاً على الفصل بين المسارات لتحقيق أقصى مكسب استراتيجي بشق الصف العربي ناهيك عن عدم اعترافها بكيان فلسطيني أصلاً، أما الحكم الذاتي للفلسطينيين فقد انخرطت مصر بحسن نية مع إسرائيل في مفاوضاته (حيث رفض الأردن المشاركة) لتتأكد الدبلوماسية المصرية لاحقاً من حقيقة النيات الإسرائيلية التي لا ترى فيه إلا ستاراً لاستمرار الاحتلال، ويجب أن يكون واضحاً أن نجاح السادات في إجبار إسرائيل على الانسحاب الكامل من سيناء لم يكن ليتحقق لولا إنجاز أكتوبر العظيم.

غير أن الفلسطينيين أدركوا ما ألم بالنظام العربي من متغيرات بعد كارثة غزو الكويت وأمسكوا بالفرصة هذه المرة في أوسلو، فماذا كانت نتيجة هذه الفرصة غير الضائعة؟ هذا هو موضوع المقالة القادمة بإذن الله.


لمزيد من مقالات ◀ د.أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: