رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عندما ظنوا أن «القلب الشجاع».. تنهى الحرب!

فى تاريخنا وحاضرنا.. أيام وأسماء وأحداث وإيجابيات وإنجازات وأبطال وبطولات لا تُنسى ويجب ألا تُنسى.. ومسئولية الإعلام أن يبعدها عن النسيان ويبقيها فى دائرة الضوء.. يقينًا لنا.. بأن الأبناء من نفس جينات الآباء.. قادرون على صناعة الإعجازات.. ويستحيل أن يفرطوا فى حق الوطن.. مهما تكن التضحيات.

>> الأيام الثمانية الأولى من حرب أكتوبر 1973 شهدت انقلابًا تامًا.. ما بين المتوقع والواقع!. يعنى إيه؟.

يعنى.. المتوقع الذى يؤمن به العالم كله المتابع للصراع القائم فى الشرق الأوسط.. هو استحالة جيش مصر أو أى جيش فى العالم.. أن يشكل أدنى خطر على الحدود الآمنة لإسرائيل التى وصلت إليها بعد حرب 1967.. وأن من يفكر فى هذه المغامرة العسكرية.. قناة السويس هى مقبرته ولن يصل أبدًا إلى الشاطئ الآخر فى الشرق!.

المتوقع الذى يؤمن به العالم.. جيش مصر أسقطه إلى الأبد.. مقدمًا للعالم واقعًا على أرض سيناء.. أثبت جيش مصر فيه.. قدرته على اقتحام أصعب مانع مائى وتجاوز الساتر الترابى وإسقاط خط بارليف أقوى خط دفاعى.. واحتلاله الخط الممتد بمواجهة الجبهة على سلسلة الهيئات شرق القناة بعمق من 10 إلى 15 كيلومترًا فى سيناء والمعروف طبوغرافيًا باسم خط تقسيم المياه...

الواقع العسكرى الجديد فى سيناء يقول: من يستولى على خط تقسيم المياه.. يسيطر على القناة من الغرب.. وعلى مدخل المضايق من الشرق!. ومن يسيطر على مدخل المضايق الغربية والشرقية.. يسيطر على أعمال القتال شرقها وغربها فى وقت واحد!. وأنه فى حالة الاستيلاء على خط تقسيم المياه.. لا يوجد خط آخر صالح للدفاع من جهة الشرق إلا خط المضايق.. ومن الغرب إلا خط القناة!.

الواقع الذى تم فى الأيام الثمانية الأولى من الحرب.. شهادة تقدم وتفوق فى حق التخطيط المصرى لحرب أكتوبر.. الذى اختار خط تقسيم المياه.. يعنى الاستيلاء على الخط الذى يربط الهيئات الحاكمة بمواجهة 170 كيلو وعمق من 10 إلى 15 كيلو فى الشرق.. وبالاستيلاء عليه تتحقق المهمة الأولى المباشرة للقوات المسلحة.. بعدها تتحول القوات إلى الوقفة التعبوية.. لاستكمال الكفاءة القتالية واستعواض الخسائر.. وصد وتدمير أى هجوم مضاد للعدو. والمهمة الثانية.. هى خط المضايق.. والمهمة الثالثة هى خط الحدود الدولية!. تنفيذ المهمة الأولى ثم الثانية يتوقف على ما سيحدث على الأرض!.

يوم 13 أكتوبر حققنا فيه المهمة الرئيسية.. وأجبرنا العدو على التقهقر إلى المضايق.. لأن من يفقد السيطرة على خط تقسيم المياه.. ليس أمامه إلا المضايق خط دفاع له!.

ملاحظة: لابد من تذكير حضراتكم بالحقائق التى فرضت نفسها على خطة الحرب المصرية.. التى وضعت فى حسبانها.. ما يملكه العدو من سلاح وعتاد وذخائر وخطوط إمداد غير محكومة بأى محاذير.. وبين ما نملكه نحن وما نعرفه يقينًا عن ظروف الإمداد والتعويض!. خطتنا تعلم يقينًا الفارق فى كفاءة ونوعية طائرات العدو.. وفى هذه المسألة تحديدًا.. الخطة المصرية اعتمدت بصورة أساسية على أسلحة دفاع مصر الجوى.. التى كانت وقتها ضخمة وثقيلة.. ولا يمكن تحريكها بسهولة فى حرب هجومية.. القوات فيها تتحرك بسرعة..

ولذلك كانت المهمة المباشرة للقوات فى الأيام الثمانية الأولى للحرب مرتبطة تمامًا بمدى التأمين الذى تحققه صواريخ الدفاع الجوى.. وحائط الصواريخ المصرى بامتداد الجبهة يغطى 15 كيلومترًا فى عمق سيناء شرق القناة.. وعليه المهمة المباشرة لقواتنا لا تتخطى الـ15 كيلومترًا.. بعدها تتحول القوات للوقفة التعبوية.. التى فيها حائط الصواريخ يوفر حماية تامة لقواتنا جويًا.. ويقضى على ميزة التفوق الهائل فى كفاءة وإمكانات طيران العدو!.

انتهت الملاحظة.. المطلوب تذكرها ونحن نستعرض الساعات الحاسمة فى مواجهة تغيرات لم تكن فى الحسبان.. والتى كانت انعكاسًا للموقف على الجبهة السورية والذى لم يكن متوقعًا.. أن ينهى العدو المعركة لمصلحته بهذه الصورة وتلك السرعة.. وهو الأمر الذى فرض حسابات جديدة!.

يوم 11 أكتوبر وصل مندوب من القيادة السورية للقاهرة.. لشرح الموقف على الجبهة السورية!. المندوب طلب رسميًا تنشيط العمليات على جبهة سيناء.. لتخفيض الضغط الإسرائيلى على الجولان!. وفى الوقت نفسه تلقى الرئيس السادات العديد من الاتصالات من القادة العرب.. وقادة الدول الصديقة من أجل إنقاذ سوريا!.

الرئيس السادات اضطر تحت هذه الضغوط لإصدار قرار سياسى.. بإنهاء الوقفة التعبوية واستئناف الهجوم..

القرار السياسى دار حوله خلاف فى المحيط العسكرى.. فيما يخص التوقيت والمهام والنتائج!. وجهات النظر المختلفة على القرار متفقة على أن الموقف على الجبهة السورية أصبح ثابتًا بعد توقف العمليات الإسرائيلية!. هذه واحدة.. والثانية: أن العمليات على الجبهة المصرية لن يكون لها صدى أو مردود على الجبهة السورية.. لأن قوات العدو فى سيناء.. منفصلة عن قوات العدو فى الجولان.. وأن ما يحدث فى سيناء لن يؤثر على الموقف القائم فى سوريا!. الأمر الثالث فى وجهة النظر المختلفة.. أن المعركة فى سيناء قادمة خلال أيام.. بعد توقف العدو عن القتال فى سوريا.. والمتوقع أن ينصب كل تركيزه على سيناء.. وعليه لابد من التركيز لهذه المواجهة بخطة دفاعية.. أولاً لكسر الهجوم الإسرائيلى المتوقع.. والانطلاق لاستكمال تدميره.. مثلما حدث فى الهجوم المضاد للعدو يوم 8 أكتوبر!. يعنى كسر الهجوم والاستمرار فى تدميره والتقدم والعدو يتقهقر.. وهذا هو المطلوب لأجل تحقيق المهمة الرئيسية الثانية باحتلال خط المضايق.. آخر ملاحظات وجهة النظر المختلفة.. عدم استهلاك احتياطياتنا قبل المعركة الرئيسية القادمة!.

ملاحظة: فى أى مجال من المجالات.. أى قرار.. طبيعى أن يواجه بوجهات نظر.. وطبيعى أن تكون مختلفة عن بعضها وجميعها صحيحة!.

الفريق الشاذلى رحمة الله عليه.. عارض فكرة استئناف الهجوم.. وكانت له ثلاثة أسباب.. الأول: القوات الجوية للعدو لها التفوق علينا.. الناجم عن كفاءة وإمكانات طائراته.. وبالتالى هى تمثل تهديدًا كبيرًا لأى قوات لنا تتقدم خارج غطاء دفاعنا الجوى.. خاصة أن الموجود لدينا من الصواريخ المتحركة (سام 6) أعداد قليلة لا تكفى تغطية القوات فيما لو استأنفت الهجوم وتقدمت خارج مظلة حائط الصواريخ المصرى!.

الثانية: استئناف الهجوم المصرى لن يخفف الضغط عن سوريا.. لأن للعدو ثمانية لواءات مدرعة فى سيناء.. وليس فى حاجة إلى سحب قوات إضافية من أمام الجبهة السورية.

الثالثة: أن محصلة استئناف الهجوم معناه تقديم قواتنا فريسة لطيران العدو.

الفريق الجمسى رئيس هيئة العمليات وجهة نظره مختلفة!.

رأيه أنه من يوم 9 أكتوبر.. كان على مصر أن تقرر متى يتطور الهجوم.. حيث كانت أوضاع العدو فى سيناء سيئة.. وكان يجب استغلال الموقف دون أن نتوقف طويلًا!.

الفريق الجمسى ناقش المشير أحمد إسماعيل فى هذا الأمر.. لكنه وجد منه الحذر الشديد!. المشير الجمسى قناعته أن امتداد فترة الوقفة التعبوية.. تعنى تحويل دفة المبادأة إلى العدو.. ورأيه أيضًا.. أن تأثير القوات الجوية للعدو على قواتنا سيكون محدودًا.. نظرًا لتلاحم وتقارب القوات فى مسرح العمليات.

المشير أحمد إسماعيل.. أجرى «الأهرام» حوارًا معه فى 13 نوفمبر 1973 وقت حرب الاستنزاف الثانية (80 يومًا) على قوات العدو فى الثغرة.. ما يهمنا هنا من حواره.. ثلاث نقاط:

الأولى: قوله إن التطوير ليس فرصة.. ولكنه حسابات مركبة تتطلب حماية القوات ووضعها فى ظروف مهيأة للقتال.. ومهما كانت الفرصة مهيأة أمامى.. فقد كان علىّ أن أغامر.

الثانية يقول فيها المشير أحمد إسماعيل: لقد التزمت بالتخطيط الذى كان يتضمن وقفة تعبوية.. أعيد فيها تقدير الموقف على ضوء ردود فعل العدو.. وأتأهب للخطوة التالية.. ولم تكن الوقفة التعبوية فترة سكوت.. لكنها كانت فترة تقبل للهجمات المضادة للعدو وتدميرها.

فى النقطة الثالثة قال المشير أحمد إسماعيل: استئناف الهجوم كان أمرًا اضطررنا إليه بأسرع من الوقت المناسب.. وكان هدفنا من ذلك تخفيف الضغط على سوريا.

ملاحظة: قرار استئناف القتال ووجهات نظر القادة عليه.. أمور حدثت من 47 سنة فى وقت حرب.. دول العالم الكبيرة.. بصورة أو أخرى.. تدس أنفها فيها وتؤثر عليها!. هذه الحقيقة لابد أن تكون فى ذهننا قبل أن نصدر أحكامنا.. على أحداث وقعت من نصف قرن.. كانت الظروف المحيطة بمصر فيها.. مختلفة جذريًا عن الآن!. تبقى ملاحظة لافتة للنظر.. وهى أن فى هذا الوقت تحديدًا.. سنحت فرصة ثمينة للقيادة السياسية لإيقاف النيران.. وقواتنا المسلحة فى وضع مناسب تمامًا فى سيناء.. وأن وقف إطلاق النيران سوف يحقق توقف القوات الإسرائيلية على الجبهة السورية.. فيما لو كان القتال مستمرًا.. وبذلك يتحقق الهدف الذى من أجله صدر قرار تطوير الهجوم.

ليلة 12 أكتوبر الرئيس السادات استقبل السفير السوفييتى الذى يحمل رسالة من قادة الكرملين.. انهم يقترحون.. إن وافقت مصر.. أن تقدم يوغوسلافيا باعتبارها إحدى دول عدم الانحياز مشروعًا بوقف إطلاق النيران.. والرسالة أيضًا توضح أن أمريكا وإنجلترا تعملان معًا لوقف إطلاق النار.. وإنجلترا لديها مشروع للوقف على الخطوط الحالية فى سيناء. الرئيس السادات رفض.

فى الليلة نفسها جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل.. أرسلت إلى كيسنجر رسالة تفوضه فيها أن يتقدم بمشروع قرار إيقاف إطلاق النار إلى مجلس الأمن.. إن كان كيسنجر يرى أنها خطوة حكيمة.. جولدا مائير اشترطت أن يكون القرار بعد 24 ساعة!. وفى فجر 13 أكتوبر طلب السفير البريطانى مقابلة عاجلة مع الرئيس السادات أبلغه فيها أن كيسنجر طلب من رئيس وزراء بريطانيا التأكد من أن الرئيس السادات يوافق على وقف إطلاق النيران وأنه إذا ما تم اقتراح فى مجلس الأمن بوقف النيران على الخطوط الحالية.. أمريكا لن تعترض.. الرئيس السادات رفض هذا الاقتراح.

وبينما مبادرات وقف إطلاق النيران تتوالى.. التعليمات صدرت بعد ظهر 12 أكتوبر إلى القيادات استعدادًا لبدء الهجوم صباح 13 أكتوبر.. مساء نفس اليوم عقد مؤتمر فى القيادة العامة.. للتغلب على بعض المشكلات التى ظهرت.. وانتهى الأمر بتحديد السادسة والنصف صباح 14 أكتوبر لاستئناف الهجوم. القيادات والقوات بدأت إجراءات التحضير والحشد والتخطيط للمعركة القادمة.

الغريب فى الأمر أنهم فى إسرائيل يخططون للهجوم فى الوقت الذين يسألون فيه أمريكا عن وقف إطلاق النار!.

ربما يكون ما حدث فى سوريا دافعًا للعدو لأجل تعجيل الأوضاع فى سيناء!. تثبيت الجبهة السورية وإحراز نصر إسرائيلى تجاهها.. جعل العدو يركز كل فكره وتخطيطه تجاه الجبهة المصرية!. إسرائيل متخوفة من أن القوات المصرية مازالت قوية.. والاحتياطيات الرئيسية مازالت قادرة على حسم الموقف لمصلحة مصر!. القيادة الصهيونية ترى أن الهجوم على رءوس الكبارى شرق القناة لا يؤدى إلى نتيجة أو تغيير من الأوضاع على الأرض ومن ثم يؤدى إلى توازن فى الموقف العسكرى.. يصنع حلول ما بعد الحرب!.

العدو لاحت له خطة هى قديمة من وقت كان شارون قائدًا للجبهة الجنوبية.. وخلاصتها إحداث ثغرة من أحد الأجناب والوصول إلى غرب القناة.. بما يحقق التوازن العسكرى.. ويخلق أفضل المواقف للعدو فى حلول يتم اقتراحها!.

الفكرة أو الخطة.. ظهرت فى مواجهتها العديد من العقبات.. أهمها وجود فرقتين مدرعتين مصريتين غرب القناة.. تملكان القدرة على تدمير أى قوات تنجح فى العبور للغرب.. والأهم من قدرات الفرقتين.. أنهما تتمتعان بحماية حائط الصواريخ المصرى الذى حرم الطيران الإسرائيلى من الاقتراب حتى 15 كيلومترًا شرق القناة!.

مساء يوم 12 أكتوبر اجتماع لمجلس الحرب الإسرائيلى لمناقشة وقف إطلاق النار وخطة الجنرال بارليف (الثغرة) وقبل أن ينتهى مجلس الحرب من اجتماعه.. دخل المستشار العسكرى لرئيسة الوزراء ببرقية.. ما كادت تقرؤها حتى طارت فرحًا!.

البرقية من سطرين هما خلاصة تقرير استخباراتى أمريكى.. نتيجة لما قامت به طائرة استطلاع أمريكية (SR-71) التى تطير على ارتفاع 25 كيلومترًا وبسرعة تعادل ثلاثة أمثال سرعة الصوت!. طائرة التجسس الأمريكية.. أقلعت من قاعدتها فى أوروبا واخترقت مجال مصر الجوى.. لتمسح مسرح العمليات الحربية من بورسعيد للسويس إلى البحر الأحمر للصعيد والدلتا.. وخرجت من فوق البحر الأبيض متوجهة لقاعدتها!.

التقرير المخابراتى الأمريكى وصل إلى إسرائيل وفى اللحظة والتو.. كانت البرقية التى فى يد جولدا مائير تقول: الفرقتان المدرعتان المصريتان الموجودتان غرب القناة.. بدأتا العبور إلى شرق القناة!.

جولدا مائير التفتت إلى الجنرال بارليف الذى كانت خطته موضوع بحث مجلس الحرب.. وقالت له: مشكلتك اتحلت!.

مجلس الحرب قرر تنفيذ الخطة «أبيراى هاليف» أو القلب الشجاع!.

مجلس الحرب الإسرائيلى.. لم يخطر على باله للحظة.. أن خطة القلب الشجاع.. تقود جيشه إلى جحيم اسمه الثغرة!.


لمزيد من مقالات إبراهيـم حجـازى

رابط دائم: