رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الصورة

استفزت ردود الأفعال الشعبية المصرية للصورة التى جمعت بين ممثل مصرى ومغن إسرائيلى مدير إدارة مصر بالخارجية الإسرائيلية فوجه للشعب المصرى أو بالأحرى لمن عبروا عن استهجانهم لسلوك الممثل المصرى شريطاً مصوراً لإفهامهم بما غاب عنهم من ملامح الواقع الجديد الذى نعيش فيه، وبعد الترحيب بنا نفى أن يكون الإحباط قد أصابهم مما جرى ولكن ما أصابهم هو شعور الاستغراب، لأن ما حدث حاجة غريبة ومضحكة، وتساءل إلى متى سوف يظل المعارضون للتطبيع مع إسرائيل متمسكين بشعارات لا جدوى منها ومتخندقين بأيديولوجيات الخمسينيات والستينيات دون أن يلاحظوا التغيرات الإيجابية الجارية، ثم تفضل بالإعراب عن تفهمهم للتضامن العربى مع القضية الفلسطينية ولكنه تساءل عما إذا كان انتقادهم لسلوك الممثل المصرى سوف يخدمها، وناشدنا الرجل أن نفيق ونصحو وأن نقلع عن النوم فى العسل لأننا فى عام2020 الذى تتمتع فيه إسرائيل بعلاقات رسمية مع أربع دول عربية واتصالات مع أغلب الدول العربية، وفى عبارة لافتة ذكرنا بأننا لسنا فى 1956 وأننا أصبحنا أقوى من ذى قبل، ثم ختم بأنهم ليسوا قلقين لأن هناك ملايين فى مصر والوطن العربى تعبت من الأسلوب القديم وترسل لهم رسائل تفرح القلب وأنهم متفائلون بأن قيم السلام والتنمية والانفتاح الفكرى ستنتصر فى النهاية ولذلك فهم صابرون وغير متعجلين.

دخلت فى حياتى ثلاث مرات من قبل فى اتصالات غير مباشرة مع إسرائيليين كانت أولاها فى 1968 حين رست السفينة التى تقل الوفد المصرى إلى مهرجان الشباب العالمى فى ميناء ڤارنا ببلغاريا وقابلنا رجلاً أبيض بشوشاً سألنا عن هويتنا فأجبناه وسألناه بدورنا فقال إنه إسرائيلي، وفى جزء قليل من الثانية أصبح المشهد فكاهياً، فقد تبخرنا كما يحدث فى أفلام الرسوم المتحركة، وكان هذا التصرف يعكس طبيعة المرحلة، أما المرة الثانية فكانت فى العقد السابق حين استضافتنى الإذاعة البريطانية العربية وفوجئت بأن أحد الضيوف الأربعة إسرائيلي، وفكرت فى الانسحاب لكنى عدلت وقمت بالرد على أطروحاته غير مرة على نحو امتدحه كثيرون، وأما الثالثة فكانت فى أثناء إدارتى لمعهد البحوث والدراسات العربية حين فوجئت بالمتحدث على هاتف مكتبى المباشر يُعرفنى بنفسه كأستاذ للعلاقات الدولية بجامعة تل أبيب وأنه اطلع على كتابى عن الصراعات العربية-العربية وأُعجب به ويود التعاون معى فى مواصلة البحث فى الموضوع، وكان الرجل شديد الأدب فشكرته وقلت له إنه بالتأكيد سوف يُقَدر أن الظروف القائمة لا تُيَسر هذا التعاون فرد بأنه يتفهم ويتطلع إلى تجاوز هذه الظروف، وهذه هى المرة الرابعة التى أدخل فيها فى حوار وإن يكن غير مباشر مع شخص إسرائيلي.

وليسمح لى صاحب الشريط أن أُوضح له ما قد يكون قد غَمُض عليه بشأن طبيعة الشعب المصرى صاحب حضارة آلاف السنين، فهو يملك ذاكرة جمعية تختزن خبراته التاريخية، ولن أدخل الآن فى جدل حول ملابسات الصراع العربي-الإسرائيلى وحجج أطرافه، ولكنى أريد أن أوضح له بعض الحقائق التى قد تجعله يتراجع عن اعتبار ما حدث أمرا مضحكا، فالواقع يشير إلى أن مصر تعرضت لعدوانين رئيسيين من إسرائيل أولهما فى 1956 والثانى فى1967 هذا إن تجاوزنا عن أعمال العدوان الجزئية الخطيرة كعدوان غزة 1955، ولأن عدوان1967 على العكس من 1956 لم تنته آثاره بسرعة فقد تطلبت إزالة آثاره حرب استنزاف هائلة يعتبرها المحللون العسكريون حرباً رابعة أفضت إلى حرب أكتوبر المجيدة، وفى كل هذه الحروب فقد المصريون شهداء مازالوا يذكرونهم بالفخر والاعتزاز والأسى، ولا يوجد مصرى أو مصرية يعيش أو تعيش على أرض مصر إلا وله أو لها أب أو ابن أو أخ أو زوج أو زوجة أو قريب أو جار أو صديق أو زميل استُشهد فى تلك الجولات العسكرية، وتعلم أيها الدبلوماسى المحنك كم تؤثر هذه الذكرى التاريخية فى التكوين النفسى للشعوب، ولا تحتاج منى تذكيراً بما تولونه من أهمية قصوى للمحرقة وعدم سماحكم بأدنى مناقشة لتفاصيلها وتأثيرها الباقى عليكم، فلم إذن تعتبرون استمرار تأثر قطاعات واسعة من الشعب المصرى بالموروث النفسى للصراع فى سلوكها أمراً مضحكاً؟ خاصة أن هذا الشعب نفسه هو الذى قبل السلام معكم واحترمه لمدة تزيد على أربعة عقود بعد أن استرد كرامته وحقق انتصاره الكبير فى حرب أكتوبر المجيدة.

من ناحية أخرى أحمد لصاحب الشريط أنه يتفهم تضامننا مع الشعب الفلسطينى وهو أمر أكثر من بديهى فإذا كان أشقاؤنا فى جنوب أفريقيا وغيرهم من الأفارقة وعديد من برلمانات الدول الأوروبية ودول آسيا وأمريكا اللاتينية وحركة المقاطعة الدولية لإسرائيل بل الجيل الجديد داخل الحزب الديمقراطى الأمريكى يتعاطفون مع مأساة فلسطين فهل نستكثر على الشعب المصرى الذى قدم آلاف الشهداء من أجلها أن يتعاطف مع الفلسطينيين فى مواجهة القمع المفرط والاستيلاء غير القانونى على أراضيهم لأغراض الاستيطان وغير ذلك الكثير؟ وأؤكد لصاحب الشريط أن تغيير هذا السلوك المشين سيستتبع تغيراً أكيداً فى سلوك المصريين وغيرهم، وبالتالى فإننا لا نعانى أدنى غيبوبة أو ننام فى العسل أو نغفل عما يحيط بنا من تطورات ولكننا نبنى مواقفنا على واقع موضوعى تدينه قرارات الشرعية الدولية والضمير العالمي، وأشكر له أنه اعترف بأننا أصبحنا أقوى من ذى قبل وإن كنت أذكره بأن الأداء المصرى فى عدوان 1956 كان مذهلاً حتى تقرر انسحاب الجيش المصرى من سيناء لمواجهة المؤامرة الثلاثية، وأن الجيش المصرى لم يحارب فى1967 وعندما تم تصحيح الأوضاع جاء الأداء الخارق الذى يعرفه صاحب الشريط جيدا، أما الملايين التى تمطرهم بالرسائل التى تفرح القلب فأتركها لضميره، وأخيراً نشاركه التفاؤل بأن تسود قيم السلام والتنمية والانفتاح الفكري، لكن اليد الواحدة لا تصفق.


لمزيد من مقالات د.أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: