رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الطبقة الوسطى وتفكيك القيم العمومية

نعاود الحديث فى هذا المقال عن علاقة الطبقة الوسطى بالفكرة المدنية، وذلك عبر تناول علاقة هذه الطبقة بالقيم العمومية. ونفترض بداءة أن أحد أبعاد التراجع عن الفكرة المدنية يرتبط بالتراجع عن القيم العمومية. ويقصد بمفهوم القيم العمومية فى علم الاجتماع النظر إلى الأفراد (ومن ثم تقييم أدوارهم ومنجزاتهم) فى ضوء مبدأ المساواة وعدم السماح بتسرب مشاعر التحيز والهوى التى تكبح التجرد والموضوعية (يفهم هذا النمط من القيم فى مقابل قيم الخصوصية التى هى الوجه المضاد للعمومية). إن جوهر الفكرة المدنية هو إعلاء شأن الفرد وتقديره فى ضوء فرديته كإنسان بصرف النظر عن انتماءاته الطبقية أو الإقليمية أو الدينية. وكما ينصرف هذا المعنى إلى احترام الآخر فإنه ينصرف فى ذات الوقت إلى عدم إهدار حقوق الفرد أو نزعه من فرديته وإنسانيته بإرجاعه إلى سياق نشأته أو لغته أو دينه. ويرتبط مفهوم العمومية بفكرة المدنية من جانب آخر، إذ على الالتفات إلى ما هو عام من شئون الحياة دون إهمال لما هو خاص، بحيث تنضج داخل نفوس الأفراد وعقولهم المسئولية الأخلاقية تجاه الآخرين من ناحية وتجاه ما هو عام ووطنى من ناحية أخري.

وإزاء هذا الفهم لمبدأ العمومية وعلاقته بالفكرة المدنية، يمكن القول إن الطبقة الوسطى المصرية عندما استوت على سوقها فى النصف الأول من القرن الماضى كان لديها شغف، وأحسب أنها كانت تواقة إلى نشر قيم العمومية. ولعل هذا هو السبب وراء تبنى قادة ثورة يوليو 1952, وهى ثورة الطبقة الوسطى بلا منازع, مبادئ تدعم قيم العمومية، عبر تأكيدها مبدأ العدالة الاجتماعية كأحد المبادئ الأساسية للثورة. ولقد أدت السياسات التى انتهجت فيما بعد الثورة ومنها الإصلاح الزراعي، والتوسع فى التعليم، وفى تقديم الخدمات الصحية بجانب سياسات الرعاية الاجتماعية، والإجراءات العادلة فى شغل الوظائف العامة- إلى تدعيم مبدأ العمومية وتأكيده. ويمكن القول بثقة إن كثيراً من أهل النخب الاجتماعية والمدنية ومن أصحاب المراكز المهمة فى قطاعات المجتمع المختلفة قد احتلوا أماكنهم فى هذه الحقبة من خلال القيم العمومية، كما أكدت بعض الممارسات أن البشر كانوا أكثر التفافاً إلى ما هو عام.

ولكن مبدأ العمومية قد بدأ يحدث له تفكك تدريجى بدءاً من سبعينيات القرن الماضي، ويمكن القول بثقة إن من قام على تفكيكه هم نفس الأشخاص الذين تقلدوا أماكنهم عبر هذا المبدأ الذى ظل تأثيره قوياً حتى السنوات الأولى من العقد السابع. لقد انفرط العقد، وتحللت الأطر الأيديولوجية الملكية من أعلى، وترتب على ذلك أن ضعف النظام المركزي، وفقد قوته فى إنفاذ المبادئ التى ينص عليها الدستور والقانون، ومن هنا فقد بقيت مبادئ العدل والعدالة والمساواة سارية على مستوى النصوص الدستورية والتشريعية، تدعو إليها النخب السياسية فى خطابها، وتلتئم حولها فاعليات عديدة، ولكنها تهدر فى الممارسات الفردية والمهنية المختلفة التى يتم تأكيدها فتتحول إلى ما يشبه العرف فى بعض المواقف.

قد يسأل البعض هنا عن شواهد على هذا الميل نحو إهدار قيم العمومية فى الممارسات الفردية والمهنية لأبناء الطبقة الوسطي، واسارع بأن الفت نظره إلى عمليات التشيع للأهل، والميل إلى توريث المهن، والدفع بالأولاد والأقارب إلى مهن بعينها، وتطوير أشكال من التشبيك المعتمد على تبادل المصالح، والميل إلى استغلال السلطة لتحقيق مآرب شخصية، لا تخلو من التربح فى بعض الأحيان، وقبول ظرف الفساد كأنه شيء معطى لا سبيل إلى التخلص منه.

هذا فضلاً عما تؤكده البحوث من ميل الجماعات المنتمية إلى الطبقة الوسطى إلى الانكفاء على ذاتها والإسراف فى الاهتمام بالأمور الشخصية والدوائر الضيقة من الحياة على حساب كل ما هو عام، على ما يصاحب ذلك من ميل إلى الانسحاب من المشاركة السياسية والاجتماعية وهندسة العمل التطوعى على أسس دينية وإحسانية أكثر من تأسيسه على أسس مدنية مواطنية. ولاشك أن هذا الوضع يخلق آثاراً سلبية على مسيرة التنمية، لا بل على مفهوم بناء الأمة على أسس مدنية ترابطية. ويمكن فى هذا السياق أن نشير إلى ثلاثة من المخاطر العامة التى تؤشر على هذه الآثار السلبية: أولها سيادة النزعة الاستحواذية التى ترتبط برغبة لدى الأفراد والأسر فى تحقيق تراكمات مادية ومعنوية على المستوى الشخصي. وتتشكل النزعة الاستحواذية لدى شرائح الطبقة على صور مختلفة؛ فهى استحواذ على السياسة بجانب المال لدى الشريحة العليا، وهى استحواذ مهنى يميل إلى توريث المهنة أو حشر الأبناء فى مهن بعينها عبر النفوذ الشخصى أو النفوذ التشبيكي، والعمل على تأمين مستقبلهم الحياتى عبر أشكال من الاستحواذ العقاري؛ وهى عند شريحة القاعدة سعى توسلى نحو الحصول على عمل للأولاد وتثبيتهم فى مواقع بعينها. ومن المخاطر أيضاً أن يسود الاعتقاد العام (خاصة لدى الفقراء وشريحة القاعدة من الطبقة الوسطى) بأن المواطنين لا يستطيعون الحصول على حقوقهم أو بعض الفرص التى يحصل عليها الآخرون إلا عبر الواسطة والمحسوبية. لسان حال هذا الاعتقاد ألا يتحقق أى شيء إلا عبر وسيط صاحب سلطة أو لديه طرائق للوصول إلى أصحابها. ولهذا الاعتقاد خطورته خاصة عندما يصل إلى مداه بتكوين آراء مغلوطة وغير صحيحة أحياناً عن الطريقة التى تدار بها عمليات توزيع الفرص وما يشوبها من عدم العدالة. وتتمثل الخطورة هنا فى أن انسياب مثل هذا الاعتقاد فى الحياة يضعف الثقة ويؤكد الانسحاب وينشر الشعور باليأس وعدم الاطمئنان. وأخيراً يمكن التلميح إلى خطر ثالث يتمثل فى الجرأة على مخالفة القانون، والجرأة على الفساد، وهى جرأة تنتشر فى المجتمع حاملة معها قناعة بأن كسر القوانين وانتشار الفساد لدى الكبار يبرر هذه الأفعال لدى الصغار.

وبعد فأتمنى ألا أكون قد بالغت أو اسرفت فى التأويل، ولكنى على يقين من أن الطريق يكتسب استقامته من كثرة النظر فيه وأن اكتشاف الالتواءات والانكسارات أفيد من تعليم المزايا.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: