رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ذكريات من الزمن الإفريقى الجميل

واصلت مؤسسة بطرس غالى للسلام والمعرفة «كيميت» عملها الرفيع لتخليد ذكرى الدكتور بطرس غالى بالاحتفال السنوى بذكرى ميلاده على نحو غير تقليدى، حيث يتم فى هذا الاحتفال تكريم أصحاب المساهمات المتميزة فى المجالات التى اهتم بها وكرس حياته من أجلها سواء الأكاديمية منها أو العملية، ذلك أن الدكتور بطرس غالى يمثل شخصية استثنائية جمعت على نحو غير مسبوق بين الإنجاز الرفيع فى المجال الأكاديمى كأستاذ جامعى للتنظيم والقانون الدولى، والمجال الدبلوماسى كأمين عام للمنظمة الدولية الأم ناهيك بأنه أول -وقد يكون آخر- أمين عام يفقد منصبه بسبب تحديه إرادة القوة الأمريكية العظمى برفضه الانصياع للطلب الأمريكى بعدم نشر تقرير مذبحة قانا الذى يدين إسرائيل، وهكذا تكرم المؤسسة فى كل عام نفراً من الشباب الواعد من أوائل خريجى قسم العلوم السياسية الذى رأسه الدكتور بطرس غالى لسنوات طويلة أو الذين أعدوا رسائل علمية متميزة فى مجال تخصصه، كذلك تكرم رموزاً لرواد فى مجال صنع السلام وحفظه، وهو المجال الذى أبدع فيه بطرس غالى فى ولايته الأولى والوحيدة كأمين عام للأمم المتحدة بشهادة الجميع، وفى هذا العام كانت اختيارات المؤسسة لافتة فقد اختارت للتكريم الدكتورة نوال السعداوى لجهودها فى الدفاع عن قضايا المرأة المصرية والعربية فضلاً عن أعمالها الأدبية المتنوعة المتميزة، كذلك اختارت المناضل الإفريقى التاريخى سام نيوما الذى قاد حركة التحرر فى ناميبيا وكان أول رئيس لها ناهيك بالقدوة التى مثلها حين قرر طواعية الاكتفاء بمدة رئاسته لبلاده «1990-2005» فى واحدة من السوابق النادرة فى بلدان العالم الثالث، وكأن المؤسسة باختياراتها هذه تقدم مفهوماً واسعاً وحقيقياً للسلام الذى لا يمكن أن يستتب دون حصول الشعوب على حقها فى تقرير المصير والاستقلال والديمقراطية وكذلك حصول قطاعات المجتمع كافة وفى القلب منها المرأة على حقوقها الكاملة.

ولقد كان اختيار سام نيوما لجائزة الإنجاز الدبلوماسى بصفة خاصة مناسبة وضعتنا فى قلب ذكريات الزمن الأفريقى الجميل حين كانت مصر عاصمة لحركات التحرر الأفريقية تماماً، كما كانت عاصمة لحركات التحرر العربية فى تناغم كامل بين عروبتها وإفريقيتها. أتى الرجل إلى القاهرة مُحَملاً بأشواق عارمة إلى ماضيه الحافل فالتقى الرموز من رفقاء النضال المصريين الذين وقفوا إلى جواره وجوار نظرائه من قادة حركات التحرر الإفريقى وفى مقدمتهم الأستاذ محمد فايق ساعد عبد الناصر الأيمن فى إفريقيا وصاحب السمعة المذهلة فى ربوع إفريقيا كافة بفضل الدور الذى لعبه فى تحريرها، والأستاذ حلمى شعراوى الذى جمع فى نضاله من أجل إفريقيا بين العمل التنفيذى فى أثناء انتسابه لجهاز الرئاسة المصرية فى زمن عبد الناصر ثم استبدل بالعمل التنفيذى النضال بالفكر الموضوعى المخلص الثاقب من أجل إفريقيا فأصبح أيقونة من أيقونات الفكر الإفريقي، وكون مدرسة ذات مريدين كثيرين فى الدراسات الإفريقية من خلال مركزه البحثى المتفرد الذى يمثل رغم إمكاناته المتواضعة نموذجاً يُحتذى فى عطائه واستقلاليته، ثم حج إلى منظمة تضامن الشعوب الأفروآسيوية وعلى رأسها المناضل الصلب الخلوق الدكتور حلمى الحديدى الذى يعمل فى صمت وفى ظل ظروف بالغة الصعوبة من أجل استمرار رسالة المنظمة، التى لعبت ومازالت أدواراً رائدة فى حركة التضامن الأفروآسيوي، ومثلت هذه الزيارة التى حرص عليها المناضل الإفريقى الكبير رسالة لنا بضرورة الحفاظ على هذه المنظمة وتقديم المزيد من الدعم لها خاصة أن دولاً أخرى تطمع فى انتزاعها من الرعاية المصرية، ولقد كرمته المنظمة فى احتفال مهيب ومنحته درعها ولم يفتها أن تهديه صورة مع عبد الناصر الذى يعشقه. ثم كانت الليلة الكبيرة مساء السبت 14 نوفمبر التى شهدت احتفال «كيميت» السنوى وتسليم جوائزها لمستحقيها فألقى صاحب المبادرة بإنشائها وراعيها الأستاذ ممدوح عباس كلمته السنوية الضافية ووزع الجوائز، ثم كانت كلمة سام نيوما التى أعادتنا بحق إلى الزمن الإفريقى الجميل حيث تحدث الرجل عن أول لقاء له بعبد الناصر فى 1961 وكيف قدم له أول منح تدريبية لمقاتلى سوابو «منظمة شعوب جنوب غرب إفريقيا» التى كانت قد تأسست فى العام السابق لهذا اللقاء وقادت النضال من أجل تحرير ناميبيا، ويذكر الرجل فى اعتزاز كيف كان هذا القرار لعبد الناصر بداية لتكوين الجناح المسلح لحركته وينهى كلمته بالهتاف باسم عبد الناصر، وعادت بى الذاكرة سنوات طويلة إلى الوراء حين زار نيلسون مانديلا أيقونة النضال الإفريقى جامعة القاهرة وألقى محاضرة فى قاعة الاحتفالات الكبرى بها وكيف بدأ كلمته بالحديث بأسى عن اللقاء الذى لم يتم بعبد الناصر بسبب تزامن زيارته للقاهرة مع انشغالات كبرى لعبد الناصر، ثم بدأ يتحدث باستفاضة وتقدير بالغين عن دوره الرائد فى دعم النضال التحررى فى إفريقيا، وكنت أتابع بخبث قسمات وجه رئيس الجلسة الجالس بجواره وكان من أشد كارهى عبد الناصر، وتذكرت كذلك حين كلفنى الدكتور بطرس غالى بإلقاء محاضرات في1980 فى المعهد الدبلوماسى وجامعة دار السلام بتنزانيا وكيف استقبلنى الطلاب بفتور فى البداية، ويبدو أنهم ظنوا أنى أعبر عن خط الانقلاب على سياسات عبد الناصر، ثم تغير موقفهم 180درجة حين بدأت أُجيب عن أسئلتهم عن تجربة عبد الناصر عامة وفى إفريقيا خاصة، وكم كانت لفتة رائعة أن يستقبل الرئيس السيسى المناضل الإفريقى الكبير ويعامله معاملة رؤساء الدول وهو سلوك ليس بالغريب على رجل يبذل أقصى الجهود لاستعادة مكانة مصر الإفريقية، وكم كان لافتاً أيضاً أن يشير الضيف فى لقائه إلى حيوية الدور الإفريقى الذى تضطلع به مصر فى الوقت الراهن والآمال المعقودة عليه، فشكراً للأستاذ ممدوح عباس الذى أعادنا بمبادرته الرائدة إلى زمن جميل نحن إليه.


لمزيد من مقالات د.أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: