رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الضوء الأحمر

لَطَف الله بمصر في الموجة الأولى لجائحة كورونا فلم تتجاوز شريحة الدول ذات الإصابات المتوسطة رغم عدم الالتزام الذي اتسمت به استجابات المواطنين لتوجيهات الحكومة وإجراءاتها، وبدا التفسير العلمي لهذا خارج إطار لطف الله بمصر والمصريين غير محدد، وأثيرت فكرة وجود مناعة خاصة للمصريين نتيجة تطعيمات سابقة ضد أمراض بعينها، وتصورتُ أن الظروف غير المثالية للبيئة غير الصحية التي تعيش فيها نسبة يُعتد بها منهم ربما تكون سبباً، وعموما فإن الباب فُتِح على مصراعيه لكل من أراد أن يفتي ولو بغير علم مادام الصندوق الأسود للفيروس مازال مغلقاً، واستطاعت الإدارة المصرية للأزمة أن تُحدث توازناً بين الفتح والإغلاق بعد أن تفاقمت تداعياتها الاقتصادية، لكن ذلك حدث بعد أن كانت قد طالت قطاعات اقتصادية بالغة الحيوية كالسياحة والخدمات المختلفة، وهكذا فقدت شرائح اجتماعية واسعة أعمالها ومن ثم مصادر دخلها، وشعر الموظفون الحكوميون ربما للمرة الأولى بالزهو والأمان عندما قارنوا رواتبهم المنتظمة مهما كانت ضئيلة أو غير عادلة بأقرانهم من العاملين بالقطاع الخاص الذين توقفت أعمالهم تماماً أو جزئياً وتوقفت معها رواتبهم، ولم يقل الثمن الباهظ الذي تكبدته العملية التعليمية خطورة عما سبق من تداعيات فقد ضربتها الجائحة في الصميم، سواء من حيث محتوى العملية التعليمية الذي تقلص على نحو معيب، كما أن تقييم الطلاب في نهاية الفصل الدراسي الذي ضربته الجائحة شابته ملاحظات عديدة وخطيرة، وقد كان للمسئولين عن العملية التعليمية عذرهم بسبب الظروف الخانقة التي أوجدها الوباء، غير أن المشكلة ليست في توجيه الاتهامات لهم أو تبرئتهم وإنما في الضرر الجسيم الذي أصاب العملية التعليمية وضرورة وكيفية إصلاحه، ثم بدأت الإصابات في الانحسار وبدا أننا أفلتنا بأعجوبة، ومع ذلك أشارت بعض التحليلات إلى أن ثمة موجة ثانية قادمة مع الشتاء الذي اقتربنا من الوصول إليه.

والحقيقة أن عدداً من الدول التي استخف حكامها بالوباء كالولايات المتحدة والبرازيل لم تكن قد قهرت الموجة الأولى من الجائحة عندما بدأت نذر المرحلة الثانية تتوالى، فحدثت زيادات قياسية في الإصابات في بلاد أوروبية ظنت أنها انتصرت على الوباء مما اضطرها إلى العودة لسياسات الإغلاق رغم تداعياتها الاقتصادية الفادحة، ثم لاحظنا أن دولاً عربية كانت قد أبلت بلاءً حسناً في التصدي للجائحة كالأردن مثلاً شهدت زيادات غير مسبوقة في الإصابات أفضت إلى العودة إلى سياسات الإغلاق وحظر التجوال وغيرهما من الإجراءات، وما حدث في الأردن حدث في بلدان عربية أخرى على نحو كان كفيلاً بأن يمثل إنذاراً لنا، ثم بدأت السلطات المعنية في مصر تنبه إلى خطر تزايد الإصابات وأنها سوف تُضطر إلى اتخاذ إجراءات صارمة ولا تريد أن تصل الأمور إلى العودة إلى الإغلاق وتداعياته الكارثية، غير أن رد فعل المواطنين كان مذهلاً، إذ أنه باستثناء الاجتماعات على المستويين الرئاسي والوزاري بدت الأمور وكأن أحداً لا يُصدق أو أن الاستهتار والاستخفاف قد بلغ بالجميع مبلغه، وفيما عدا قلة من المواطنين الملتزمين تتعرض أحياناً للسخرية ساد عدم الالتزام بالتحذيرات في كل مكان وعلى جميع المستويات الاجتماعية، وحتى الأماكن التي تلتزم باشتراط ارتداء الكمامة لدخولها بدا وكأن الكمامة صارت بمثابة بطاقة الهوية التي يبرزها المرء عند الطلب ثم يعيد وضعها في محفظته بعد أن أدت وظيفتها، ولذلك فإنك إن تأملت المشهد داخل فندق مثلاً سوف تجد أن نسبة الالتزام بين المترددين عليه ضئيلة للغاية، وقد فوجئت فى أثناء إقامتي في أحد الفنادق الساحلية عند دخولي المطعم الذي يقدم وجبة الإفطار بما يزيد على ثلاثمائة شخص متلاصقين ومتزاحمين فى أثناء اختيارهم مكونات وجبة فطورهم، وينطبق الأمر ذاته على المصالح الحكومية التي لا تشترط ارتداء الكمامة لدخولها، ففي داخلها يبدو المشهد مؤسفاً، فالموظفون لا يرتدون الكمامات أصلاً بل ويطلبون من أصحاب الحاجات خلع كماماتهم كي يفهمونهم هذا إذا كانوا يرتدونها بدورهم، ناهيك بما يحدث في وسائل المواصلات المزدحمة والجنازات والأفراح، وما حدث مؤخراً لنجمنا المحبوب محمد صلاح شفاه الله ليس ببعيد، وإن كان عتابي عليه كبيرا لأن المفروض أنه قدوة وقائد رأي من الضروري أن ينتبه إلى الخطر وينبه إليه، والأدهى والأمر أولئك الذين يتعاملون مع الكمامات كنظارات الشمس، فهم يضعونها تحت الأنف والفم ولا يرفعونها إلا عند الحاجة التي لا يدري الإنسان معاييرها، ويذكرني هذا الوضع مجدداً بمصطلح صكه كاتبنا الكبير أحمد بهاء الدين وهو الجهل النشيط، وكان يقصد به الجهل الذي يضر بأصحابه إلى حد قتلهم أنفسهم، وأذكر أن اشتقاق هذا المصطلح جاء في سياق تجاهل بعض المقاولين اشتراطات السلامة في البناء حتى في البنايات التي ينتوون سكناها.

والسؤال الآن هل غاب الاقتناع بأن الكورونا تمثل خطراً؟ وهل لدينا اليقين بأن الله سوف يلطف بنا كما قضت رحمته في الموجة الأولى؟ ولماذا لا نأخذ بالأسباب وفقاً للمنطق؟ ألا نشاهد الموت حولنا في العالم في كل مكان؟ وألم نشاهد أحباءً لنا يقعون ضحية لهذا الوباء اللعين الذي ربما مسهم بسبب استهتار الآخرين؟ ألم نشاهد نفراً من خيرة أطبائنا وأطقمنا الطبية يدفعون حياتهم ثمناً لحمايتهم لنا من الخطر؟ ولماذا نصر على أن نحملهم فوق طاقتهم؟ خاصة أننا نعلم أن إمكاناتنا في تقديم الخدمات الطبية لا تُقارن بدول بالغة التقدم وقفت عاجزة أمام الوباء عندما تجاوزت الحدود؟ وألا نشاهد الدولة الأقوى في العالم وهي تتصدر دول العالم في عدد المصابين وعدد الوفيات بسبب سياسات خاطئة؟ وما الذي ينقصنا لكي نرتدع؟ وهل من الضروري أن ننتظر حتى تحدث الكارثة؟ وألا نشعر بأدنى قدر من المسئولية تجاه ما يمكن أن يصيبنا مجدداً من أضرار فادحة لو تزايدت الإصابات لا قدر الله إلى الحد الذي يفوق إمكاناتنا؟ لقد نبهت الحكومة وحذرت، وهي تقول إنها تفرض غرامات على من لا يرتدون الكمامات وإن كان هذا لا يبدو ظاهراً، ومع أني أعتقد اعتقاداً جازماً بأن مفتاح الحل يكمن في زيادة الوعي إلا أنني أحسب أن الشدة مطلوبة في تحصيل الغرامات وأنها سوف تفضي إلى التزام أكبر قد يمثل لنا طوق نجاة، وبعد أن كنا نطمح إلى تقديم نموذج يُحتذي للعالم بات أقصى أملنا ألا يرفع الله عنا غطاء رحمته، لكنه سبحانه وتعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.


لمزيد من مقالات ◀ د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: