رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الطبقة الوسطى وتعميق مفهوم الآخر

يحتل مفهوم الآخر أهمية خاصة فى بناء المجتمعات, فلا سبيل إلى تفاعل مستقيم، وتعاون بناء، واستمرار آمن فى الحياة دون أن تكون العلاقة بين أطراف التفاعل علاقة إيجابية مؤسسة على قدر من الثقة والاحترام. ولقد مالت المجتمعات فى تطورها نحو ترسيخ هذا المبدأ؛ فتخلت عن نزعاتها القديمة فى نفى الآخر ودحضه وهزيمته، واتجهت نحو بناء فكرة المدنية التى تتأسس على مبادئ المواطنة والثقة والاحترام. ولقد عمقت فلسفة العقد الاجتماعى هذه الفكرة وأصبحت فكرة حاكمة فى بناء الأمم الحديثة. ولا يعنى هذا أن «فكرة المدنية» أصبحت فكرة عمومية فى كل المجتمعات أو بين الجماعات أو حتى العلاقات بين المجتمعات على المستوى الدولى العام؛ فثمة مشكلات عديدة تتعلق بما يترتب على الحروب والنزاعات والصراعات السياسية من نفى الآخر ودحضه؛ كما أن بعض الدول النامية قد تعثرت فى تعميم فكرة المدنية على أصداء صراعات قبلية وعرقية أو اثنية

ولقد عرفت مصر الفكرة المدنية، بل أسهمت عبر التاريخ فى التعبير عنها عبر نسيجها المتماسك، وبنيتها المتجانسة. ومع قدوم المجتمع الحديث عمق مفكروها هذه الفكرة، وترجمها بُناة المجتمع الحديث فى ممارسات سياسية واجتماعية، وصياغات تشريعية عبرت عنها الدساتير المتعاقبة فى تاريخ مصر الحديث. ولقد كانت الطبقة الوسطى هى التى أنتجت هؤلاء البناة، ولذلك فقد كانت سنداً وركناً قوياً فى عمليات انتقال المجتمع نحو الدخول فى منظومة العالم الحديث على المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية. ولكن التغيرات التى طرأت على بناء هذه الطبقة منذ سبعينيات القرن الماضى (والتى أشرنا إلى جانب منها فى سياقات أخرى) قد دفعت كثيراً فى اتجاه تفكيك الفكرة المدنية. ولا ندعى هنا أن هذا الاتجاه قد وصل إلى مداه، أو أنه أحدث تهديداً لتماسك المجتمع وتجانسه، ولكننا نفترض أنه يحمل ميولاً واتجاهات تتشكل فى رحم البناء الاجتماعى والثقافى ويجب أن نلتفت إليها وإلى تأثيراتها التفكيكية الطويلة المدى.

ونسوق الحديث هنا حول واحد من أخطر هذه الميول، وهو الميل نحو نفى الآخر، أو السعى نحو التباعد عنه على أقل تقدير. فثمة ميول تعمق من فكرة الآخرية وتؤسس تفاعلات وخطابات تجعل الأنا هى الأكثر حضوراً، وتدفع بالآخر بعيداً دون إدراك لأهمية وجوده. قد يكون مفيداً هنا أن نعدد بعض المشاهدات الدالة على ذلك، وهى تحتاج إلى رصد دقيق، لأنها تبدو لدى كثيرين وكأنها استجابات وميول عادية لا شِيَةَ فِيها. فثمة مشاهدات فى الحياة العامة وفى الكلام البسيط مثل كثرة الحديث عن الآخرين، ونقد شئونهم وتصرفاتهم، والميل إلى استخدام أوصاف لوصف أو وصم فئات بعينها كالفلاحين والأميين والفقراء. وقد تكون هذه أمور عامة لا ترتبط بطبقة بعينها، ولكن إذا تعمقنا أكثر فسوف نجد أن لأبناء الطبقة الوسطى حظا كبيرا فى تأكيد الذات فى مقابل الآخر، وهو تأكيد يتجلى بصور عديدة عبر المستويات المختلفة للطبقة. ومن مظاهره ما يمكن أن نطلق عليه الاقصاء المهنى أو الإزاحة المهنية، وهو سلوك أكبر من مجرد الغيرة المهنية، فإنه لا يرتبط فقط بمجرد الشعور المتحيز تجاه زملاء المهنة، ولكنه يرتبط أيضاً بمحاولة إقصائهم، أو مُناصبتهم العداء، أو العمل من خلف ظهورهم على تشويه سمعتهم والتقليل من قدراتهم رغم الظهور أمامهم بمظهر المحبة والولاء. ومن مظاهره أيضاً صور الاقصاء السياسى التى تتبدى فى الممارسات السياسية الحزبية، والتى كشفت خلال السنوات الأربعين الماضية عن صراعات ونزعات استبعادية ليس بين الأحزاب ولكن داخل الحزب الواحد. ويتخذ الاقصاء السياسى أحياناً طابعاً دينياً عندما يصبح الدين وسيلة إلى الاستحواذ السياسي. وهذه النزعة تشكل أكثر النزعات المعمقة لمفهوم الآخرية والتمركز حول الأنا. فقد أدت إلى أن يصبح مفهوم الآخر الدينى أحد المفاهيم الراسخة فى أذهان العامة, وهو مفهوم لا ينصرف إلى الاختلاف بين الأديان فقط، بل الاختلاف فى طرائق التدين (فثمة أفراد أكثر التزاماً أو تديناً أو اخلاصاً من أفراد آخرين، وثمة جماعات قريبة تتشكل من أعضاء التنظيمات الدينية وجماعات بعيدة تصنف على أنها جماعات أقرب إلى مخالفة الدين). ولقد تعمق هذا الاتجاه عبر عوامل أخرى منها تمدد النزعة السلفية فى الأوساط القاعدية من الطبقة الوسطى، وتغلغل الخطابات الإسلامية الأصولية القادمة من الإقليم من ناحية ومن بعض المنتمين إلى تنظيمات دينية رسمية وغير رسمية فى الداخل. ولعل هذه الشواهد وما يرتبط بها من عوامل كافية لافتراض وجود التمركز حول الذات الفردية، والميل نحو ترتيب العلاقة مع الآخر على أسس استبعادية (غير مدنية).

وربما يكون مفيداً عند هذا الحد أن نتأمل بعض دلالات هذا الموقف ومعانيه، ومن ثم فهم ما يؤشر عليه من ميل خفى نحو تفكيك الفكرة المدنية. فليس هناك من شك فى أن تعميق الآخرية على الاتجاه التباعدى والاستبعادى يؤدى إلى ضعف الثقة العامة، وقيم العمومية التى تؤسس لمفهوم المساواة والمواطنة والذات الكلية. كما أنه يؤدى أيضاً إلى ضعف التسامح العام لتحل محله على المدى الطويل القيم التعصبية التى تعاود التمركز حول مفاهيم الإقليم والدين والنوع والمهنة...إلخ. ولعلنا نختتم هذا المقال بالإشارة إلى دلالتين يمكن استخراجهما من هذه الحالة التباعدية: الأولى تتصل بضعف روح التعاون والقدرة على العمل الجمعى وتخطيط وإدارة فرق العمل وضعف الروح التنافسية الخلاقة، حيث يتعذر الاعتراف بالفشل أو الهزيمة، فالكل ناجح، والكل منتصر، والكل قوى الشكيمة لا تفّل عزيمته، فالفشل هناك والهزيمة والضعف هناك وليس هنا، هنا تاريخ حافل بالانتصارات والانجازات والبطولة. وقد يؤدى ذلك إلى تكوين صورة غير حقيقية وغير واقعية عن الذات، وإلى تكوين حالة من الانتشاء غير الواقعي. ولكن أخطر ما فى الأمر هو الدلالة الثانية المتعلقة بما يمكن أن يترتب على كل ذلك من كراهية النجباء ومحاصرة الإنجازات البارقة التى يمكن أن تفكك حالة الانتشاء وتدحض حالة الشعور بالبطولة الزائفة والنجاح الزائف على أنها محض خيال.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: