رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العلاقات المصرية ــ الأمريكية فى ظل رئاسة بايدن

تابع العالم بكل الاهتمام انتخابات الرئاسة الأمريكية لسببين واضحين أولهما أنها رئاسة الدولة الأقوى فى العالم, والثانى أن ثمة فروقاً واضحة بين توجهات الرئيس الحالى ومنافسه فى الشئون الدولية، ويكفى أن نشير إلى الموقف من قضية المناخ وحرية التجارة الدولية والعلاقة مع أوروبا، وكان لاهتمامنا فى مصر والوطن العربى أسباب إضافية بسبب الخبرة السلبية مع إدارة الرئيس أوباما الذى كان جو بايدن نائباً له فى موقفها تجاه ما عُرِف بالربيع العربى خاصة ما أحاط بالموقف من ثورة يونيو2013 واعتبارها انقلاباً على الشرعية بما يعنيه هذا من انحياز لجماعة «الإخوان المسلمين» فى صراعها مع الشعب المصري، وما ترتب عليه من سياسة غير ودية واستفزازية وصلت إلى حد فرض نوع من العقوبات على مصر، وبالتالى كانت هذه الخبرة ماثلة فى أذهان البعض بما جعلهم يبالغون فى تصور الآثار السلبية التى يمكن أن تترتب على فوز بايدن بالرئاسة، وكأن الأحداث قد تجمدت منذ ذلك الوقت وحتى الآن، وكأن بايدن سيكرر حرفياً أخطاء إدارة أوباما دون أدنى التفات للمتغيرات التى استجدت مصرياً وعربياً وإقليمياً ودولياً، وهذه هى الاستحالة بعينها، وأول هذه المتغيرات أن جماعة الإخوان اليوم على هذه المستويات كافة ليست كما كانت عليه عقب الربيع العربى المُجهَض، إذ ظهرت طبيعتها الفاشية الإرهابية فى مصر وبلدان عربية أخرى بما فى ذلك بلدٍ كتونس تراجعت فيه شعبيتها بوضوح, رغم كل محاولات ادعاء السلوك الديمقراطى بحيث بات ملف الجماعة فى كل مكان مثقلاً بأقوال وأعمال تشى بحقيقتها، وافتضح الكثير من ممارساتها فى بلدان الغرب الديمقراطية التى لاذت الجماعة بها وتورطت فى أعمال وضعتها على أقل تقدير موضع الشبهات فى عديد منها, خاصة فى ظل تزايد مخاطر الأعمال الإرهابية فى هذه البلدان، وإن كان الاعتراف واجباً بأن الأمر لم يصل إلى تبنى مواقف رسمية صريحة وصارمة تدين هذه الجماعة، وهذه مسئوليتنا قبل غيرنا ولدينا البراهين الدامغة الموثقة على ذلك، أما المتغير الثانى الأكثر أهمية فهو أن البون شاسع بين مصر2013 ومصر2020، فقد باتت مصر اليوم بعد سنوات من عدم الاستقرار والتركيز على مواجهة الهجمة الإرهابية الشرسة عليها قوة إقليمية يُحسب حسابها فى معادلات المنطقة، وليس من الرشادة الاستخفاف بها، وعلى سبيل المثال فإن مصر التى واجهت امتعاضاً فى مجلس الأمن عام2015 حين ردت على الاعتداء الإرهابى على مواطنيها فى ليبيا بغارة جوية محدودة أخذها الجميع على محمل الجد عندما أعلن رئيسها فى يونيو الماضى خطاً أحمر لأمنها القومى فى ليبيا لم يجرؤ أحدعلى انتهاكه، بل إنه يجب أن يكون واضحاً وإن لم يتفاخر أحد من المسئولين المصريين بذلك فإن كل ما نشهده الآن من حراك فى الصراع على ليبيا لم يبدأ إلا بعد هذا الموقف المصرى الصارم، وبالتالى فمصر اليوم ليست الدولة التى يستخف بها أحد، ومن يروج لهذا إنما ينطلق من نموذج المفعول به بينما تحولت مصر إلى فاعل يمتلك رؤية واضحة لأمنه القومى ومصالحه, ويستند إلى قوة تسمح له بالتحرك لحماية هذا الأمن وهذه المصالح إن تعرضت للخطر.
هل يعنى ما سبق أننا يجب ألا نقلق من مستقبل علاقتنا بالإدارة الأمريكية الجديدة؟ بالطبع لا, فمن المؤكد أن ثمة اختلافاً فى الأولويات لديها، وأن لجماعة الإخوان وصولاً إليها يمكنها استغلاله فى تعكير صفو العلاقات مع مصر، وأن هناك بصفة عامة خصوماً للسياسة المصرية فى دوائر وجماعات مصالح معينة واختلافات فى الرؤى فى قضايا بعينها كحقوق الإنسان مثلا,ً علماً بأن هذه الاختلافات كانت موجودة مع الكونجرس ووزارة الخارجية فى ظل رئاسة ترامب، وهنا بالذات يجب الاستعداد بالعمل لشرح الظروف التى اقتضت اتخاذ إجراءات معينة والجهود التى تبذل من أجل الارتقاء بحالة حقوق الإنسان وتعزيزها وآخرها وضع الاستراتيجية الوطنية التى رعتها الخارجية المصرية وتمت صياغتها ومناقشتها بأعلى مستوى من الحرفية والانفتاح, فضلاً عن إنجازات محددة فى مجال الحقوق الاجتماعية والاقتصادية فى حدود الممكن، ويقول المرجفون إن مصر قد وضعت كل أوراقها فى سلة ترامب وعليها الآن أن تدفع الثمن، وهو معنى لا يأخذ إلا بظواهر الأمور. فإن مصر لم تفعل مع ترامب سوى ما تقتضيه مصالحها، إذ كان الترحيب طبيعياً بموقفه تجاه ما يُسمى الإسلام السياسى المناقض لموقف إدارة أوباما الذى سبب لنا متاعب حقيقية، وكان طبيعياً أيضاً أن تقف السياسة المصرية معه فى موقفه تجاه الإرهاب، غير أنه يجب أن يكون واضحاً أن هذه السياسة ذاتها هى التى اختلفت معه دون ضجيج على فكرة تحالف الشرق الأوسط الذى كان فى جوهره حلفاً سنياً عربياً بدعم إسرائيلى ضد إيران، وكان موقفها هذا سبباً فى وأد الفكرة، وهى أيضاً التى احتفظت بثوابت موقفها من القضية الفلسطينية رغم خطة ترامب للسلام وهى التى تمسكت بسياستها الناجحة فى تنويع مصادر السلاح رغم الغضب الأمريكي، وهى التى بادرت بما فعلته تجاه الصراع فى ليبيا دون إذن من أحد تماماً كما اتخذت قيادة القوات المسلحة المصرية قراراً بالانحياز للشعب ضد جماعة الإخوان دون استئذان أحد رغم معرفتها بالموقف الأمريكى آنذاك.
ثمة احتمالات قائمة بطبيعة الحال لأوقات قد تكون غير مريحة فى علاقتنا بالإدارة الأمريكية الجديدة، وهى احتمالات يجب الاستعداد لها من مؤسسات الدولة المعنية بإدارة العلاقات ومراكزها البحثية ونخبتها المثقفة بالحجج الموضوعية, وليس بالإسفاف الذى ينزلق إليه بعض الأقلام، وليست هذه بالمهمة السهلة ولكن منذ متى كانت إدارة السياسة الخارجية لدولة بوزن مصر عملاً يسيراً؟.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: