رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رسالة إلى الرئيس ماكرون

ظلت فرنسا سياسيا حتى مطلع ستينيات القرن الماضى مرتبطة بميراثها الاستعمارى خاصة وقد شهد عقد الخمسينيات صداما مروعا بينها وبين الوطن العربى بمناسبة السياسة التى اتبعتها فى قمع حركة التحرر الجزائرية والدور الذى لعبته فى العدوان الثلاثى على مصر، ثم شهدت نهاية الخمسينيات تحولا حقيقيا فى السياسة الفرنسية بعد أن أفضت تداعيات حرب التحرير الجزائرية إلى وصول شارل ديجول إلى سدة الرئاسة، وبدأ هذا التحول بالتسليم باستقلال الجزائر ثم بلور لفرنسا سياسة ميزتها عن غيرها من القوى الغربية الكبرى وأفضت إلى مواقف اقتربت من المواقف العربية، كما فى موقف ديجول من العدوان الإسرائيلى في1967، وعلى الرغم من اعتزاله في1969 ومن أن الرؤساء الذين تولوا من بعده لم يكونوا بالضرورة من الديجوليين إلا أن ميراث الديجولية بقى فى السياسة الفرنسية بدرجة أو بأخرى على الأقل من منظور استقلاليتها عن السياسة الأمريكية، وهو الأمر الذى يفسر تقارب المواقف الفرنسية مع المصالح العربية من حين لآخر، كما هو الحاصل الآن فى الموقف الفرنسى تجاه العدوانية التركية فى الوطن العربى وشرق المتوسط، ومن هنا فليس من المصلحة فى شيء أن تتفاقم الأزمة الحالية التى فجرتها التطورات الأخيرة فى فرنسا والتى ترتبت على خطوات الرئيس الفرنسى لمواجهة ما سماه الانفصالية الإسلامية، وواقعة ذبح المدرس الفرنسي، ثم التصريحات الأخيرة التى زادت التوتر لما كشفت عنه من تمسك الرئيس الفرنسى بالدفاع عن الحق فى نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الكريم استنادا إلى علمانية الدولة الفرنسية ومبدأ حرية الرأي. وبداية يجب أن يكون واضحا أن ثمة قضية مشتركة بيننا وبين الدولة الفرنسية التى يمثلها الرئيس ماكرون وهى مواجهة التوجهات المتطرفة التى تنسب نفسها زورا للإسلام وتتبنى سلوكيات تتناقض وقيم الدولة بما يفضى إلى تقويضها، فالخطر الذى أقلق ماكرون سبق له أن أقلقنا منذ عقود ودفعنا ثمنا باهظا فى مواجهته، ومن ثم فإن ما نحتاج إليه الآن بالتأكيد هو التكاتف وليس التناحر فى مواجهة هذا الخطر، والمشكلة أن تحقيق هذا التكاتف مهدد الآن بسبب الاستقطاب المجتمعى والسياسى الحاصل، فالمجتمع الفرنسى مشحون ضد جريمة ذبح المدرس، والرأى العام فى البلدان الإسلامية وإن كان يدين جريمة الذبح إلا أنه مشحون بدوره ضد الإمعان فى الاستخفاف بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بدعوى حرية الرأي، وهو وضع لا يمكن معه تنسيق الجهود لمواجهة التشدد والتطرف والإرهاب وكل التوجهات والأفعال التى تهدد كيانات دولنا، وليسمح لى الرئيس الفرنسى بالقول إن تصريحاته الخاصة بالتمسك بنشر الرسوم المسيئة كانت غير موفقة لأنها سكبت دون داع الزيت على النار، وكشفت عن تقدير غير سليم لتكوين المسلم العادى الذى يعتبر رسوله الكريم رمزا ساميا لدينه الذى يعتز به، ومن ثم يكون المساس به إهانة لا تُغتفر لهذا الدين وله شخصيا، كما كشفت للأسف عن فجوة ثقافية بمعنى عجز الغرب عن فهم الثقافة الإسلامية والتكوين النفسى للمنتمين لها، ونحن نعلم تمام العلم أن التعريض بالمسيح عليه السلام مباح فى الثقافة الغربية، لكن النخبة الفرنسية وغيرها من النخب الأوروبية يتعين عليها أن تعلم أن هذا غير مقبول فى ثقافة المسلمين الذين لا يقبلون الإساءة لا لرسولهم الكريم صلى الله عليه وسلم ولا للسيد المسيح عليه السلام ولا لأى من أنبياء الله ورسله كما يأمرهم دينهم بذلك، وما لم يتم تجسير هذه الفجوة فسوف تتفاقم هذه الأزمة وتتكرر حتى ولو تم تجاوزها الآن.

وقد أدت التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسى إلى غضبة واضحة فى أوساط الرأى العام فى البلدان الإسلامية، وبادر البعض بالدعوة لمقاطعة المنتجات الفرنسية، وقد تتسع هذه الدعوة لاحقا لتشمل أمورا أخري، ومن الواضح أن هذه الدعوة قد أزعجت الدوائر الفرنسية فدعت وزارة الخارجية حكومات الدول الإسلامية إلى وقف دعوات مقاطعة سلعها ووصفتها بالعبثية، وطالبت بالوقف الفورى لها وكذلك لجميع الهجمات التى تتعرض لها بلادنا والتى تقف وراءها أقلية راديكالية متطرفة، ومع أن المرء يدرك بالتأكيد الأغراض الحقيقية من وراء بعض الهجمات التى تُشَن على فرنسا إلا أن الدوائر الرسمية والقيادة الفرنسية يجب أن تتفهم أن الأغلبية مدفوعة بالاستياء من الاستخفاف بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وبعدم التمييز الفرنسى بين الإسلام وبين أفكار فريق من المسلمين وممارساتهم، وحتى لو قبلنا وجهة النظر الرسمية الفرنسية بأن أقلية راديكالية متطرفة هى التى تقف وراء هذه الهجمات فإنه يجب أن يكون واضحا أن المواقف الفرنسية، وبالذات الرسمية الأخيرة منها وبصفة أخص تلك التى تبناها الرئيس الفرنسى نفسه، تهدد بتعزيز موقف هذه الأقلية الراديكالية المتطرفة فى أوساط الرأى العام الإسلامى باعتبار أنها تدعى الدفاع عن كرامة الإسلام ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، ولنأخذ على سبيل المثال أردوغان الذى يحتضن الإرهاب ويدعمه ويوظفه فهو أسعد الناس الآن بالأزمة الراهنة لما أتاحته له من إظهار نفسه وكأنه القائد الإسلامى الأوحد الذى يحمل الراية فى معركة الدفاع عن الإسلام، ولعل الدوائر الرسمية فى فرنسا قد لاحظت أن أنصار أردوغان فى الوطن العربى بمن فيهم بعض الكتاب يستغلون الموقف الحالى لتلميع سياساته، وعلينا كى ننجح فى معركتنا المشتركة ضد التطرف والإرهاب أن نُجَسر الفجوة بيننا، وبغض النظر عما يمكن أن تفعله السياسة فى هذا الصدد فإننى أعتقد أن الدعوة لحوار جاد وعميق بين رموز بارزة لمثقفين فرنسيين ومسلمين بهدف تعزيز الفهم المتبادل يمكن أن تلعب دورا رائدا فى هذا الاتجاه، وليتذكر أصدقاؤنا فى الغرب أننا لا يمكن أن نفهم أن يكون هناك تحريم للتشكيك فى بعض تفاصيل المحرقة النازية، وإباحة على أعلى المستويات للتعريض برسول الإسلام صلى الله عليه وسلم باسم العلمانية وحرية الرأي.


لمزيد من مقالات ◀ د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: