رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثقافة الطبقة الوسطى.. الوجه الثالث

نحن هنا بصدد فئة تحتل قاعدة الطبقة الوسطى، وهى قاعدة عريضة تضم قطاعاً عريضاً من السكان. ويندرج تحت هذه الفئة رجال ونساء من موظفى الدولة أو العاملين فى قطاع التعليم والصحة والمرافق العامة، ورواد الأعمال الصناعية والتجارية المحدودة الحجم، وأصحاب الملكيات العقارية الصغيرة. وتكشف هذه الشريحة الطبقية فى تركيبها عن تنوع كبير، كما أنها تتداخل على نحو واضح مع الشريحة الأعلى والشرائح الأدنى، الأمر الذى قد يكشف عن مواقع طبقية مختلفة، وعن مواقع بينية تتشكل من التقاطعات مع الفئات الأعلى والأدنى.ومن المعروف أن هذه الفئة قد اتسعت كثيراً على أثر تغيرات اجتماعية صاحبت انسحاب الدولة من تقديم الخدمات فى الثلاثين سنة التى تلت عملية الانفتاح الاقتصادى والشروع فى سياسات التحرر الاقتصادي. وصاحب هذا الاتساع تقلص كبير فى فرص الحياة لدى هذه الطبقة، صاحبه تمدد كبير لمساحات الحرمان النسبى وضغط قوى السوق من ناحية، وإغلاق فرص الحراك الاجتماعى من ناحية أخرى. ومن المتوقع أن تؤدى هذه الظروف إلى تشكيل أسلوب حياة يسعى الى معاش معتدل لا ينزل بالأسرة إلى أسفل. ومن هنا فإن شريحة القاعدة تجيد أساليب تكيف تضمن لها المحافظة على قدر من الاستقرار، فتتجنب الذهاب كثيراً إلى الأسواق الكبيرة التى تفرض على المستهلكين شراء كميات كبيرة من السلع، والاكتفاء بزيارة أو زيارتين كل عام، ويكون معظم التسوق من المحال التى تبيع بأسعار الجملة، ومن أسواق الخضار والفاكهة الشعبية التى تنتشر فى جيوب داخل التجمعات السكنية المكتظة بالسكان, وتنسحب نفس الاختيارات الاستهلاكية على الملابس والأحذية ومستلزمات المدارس التى تشترى من أسواق أو محال بعينها. وكثيراً ما تحرص الأسر فى شريحة القاعدة على عدم المبالغة فى شراء السلع الكمالية، أو شراء أنواع مختلفة من الفاكهة، حيث تتحدد العلاقة بالسوق فى ضوء درجة عالية من الرشد والتوازن بين المدخلات النقدية والنفقات الجارية.ويكشف البحث المتأمل فى أساليب حياة شريحة القاعدة عن أن هذه الأساليب تتأسس على ما يمكن أن نسميه ثقافة الستر، فالحياة لابد أن تكون مستورة، لا تنحدر الى الانكشاف أو الظهور فى العلن فى موقف يستدعى نقد الآخرين. والستر فى اللغة هو التغطية أو الاخفاء، ومن ثم فعندما يكون السعى نحو الحياة المستورة، فإنه يكون سعياً نحو عدم الانكشاف أمام الآخر. ويتوقع فى ضوء هذا التأويل أن يكون مفهوم الآخرية مفهوماً مهما فى وعى شريحة القاعدة. إن الآخر هناك دائماً، ويجب أن تبنى العلاقة معه على ضرب من الظهور القوى غير المنكشف، وفى ذلك ضمان الاحترام والتقدير.

ويتوقع أن تتحدد رؤية العالم لدى شريحة القاعدة وفقاً لهذا النزوع نحو الحياة المستقرة وما تفرضه من علاقة مع الآخر. فهذه الرؤية تقوم على قدر من الحرص والحذر والشك، وهى خصال قد تزداد عمقاً وانتشاراً كلما خرج الفرد من الدوائر القريبة إلى الدوائر الأبعد. ويفسر لنا هذا جانباً من نقص معدلات الثقة لدى هذه الشريحة، كما يفسر من جانب آخر انتشار معتقدات مثل الحسد والغيرة وصور المقارنات المختلفة مع الآخرين.

وكما يؤكد علماء الاجتماع فإن هذه الخصائص والممارسات السلوكية تكون أكثر انتشاراً فى صحبة ما يعرف بثقافة الخير المحدود التى تنتشر فى حالة ندرة الموارد وما تفرضه من تدافع للسيطرة على أكبر قدر منها.

وعلى هذه الخلفية يتوقع أن يلعب الدين دورا محوريا فى حياة شريحة القاعدة، وهى تشكل جمهورا عريضا للخطاب الدينى ، ليس بسبب تعليمها ولا ظروف حرمانها فحسب، بل أيضاً لأن القائمين على شئون الخطاب يأتون منها. يعمل الدين هنا على بناء قناعات وتبريرات لحياة الستر والوقاية من الانكشاف والسقوط، كما يعمل أيضاً بمثابة مصدر لرموز تميز تظهر فى ازياء الرجال والنساء، كما تظهر فى الحرص على طقوس خاصة تصاحب العبادات «الاسراف فى استخدام المياه فى الوضوء والحرص على إقامة شعائر الأذان والصلاة فى مكان العمل، والمبالغة فى مظاهر الاحتفال بالصيام، وشراء الملابس الجديدة للأطفال فى الأعياد، والاستماع بشكل دائم للقرآن فى المنزل وفى المحال التجارية». ويشكل هذا الوضع تربة خصبة لتمدد أشكال متعددة من التدين.

صحيح أن ثمة خصائص عامة ترتبط بالاهتمام بالدين، وإبراز رموزه، والمبالغة فى تصنيف الناس وفقاً لدينهم. ولكن ثمة تنويعات فى أشكال التدين التى تنمو فى تربة القاعدة. يظهر هنا التدين الشكلى الذى يبالغ فى رموز الدين وطقوسه، كما يظهر التدين الأدائى الذى يربط الدين بالمصالح الدنيوية، والتدين الغيبى الذى يميل إلى المعتقدات الخرافية والسحرية. ولكن الأهم من ذلك كله أن تربة القاعدة تعد تربة خصبة لنمو شكلين من التدين لهما وضع خاص. الأول هو التدين السلفى الذى يظهر فى تبنى الرموز السلفية، والميل الى الخطاب السلفى فى الحديث الذى غالباً ما يكون مثقلاً بعبارات تحفظ عن ظهر قلب مثل عبارة الله المستعان التى تنهى أى حديث، وكذلك بعض الممارسات السلفية مثل الامتناع عن السلام بالأيدى «بالنسبة للنساء» وإطلاق اللحى «بالنسبة للرجال»، واستخدام نمط معين من الحجاب يكون مسدولاً غير فاتن، اوالإصرار على ارتداء النقاب. أما الثانى فهو التدين المنتج للميول المتطرفة، وهو تدين رافض لا يقبل المناقشة ويكون سمته العام النقد الدائم والامتعاض والمقارنة الماضوية.

ولا يبقى هنا وقت للترفيه أو التذوق الجمالي. صحيح أن بعض أسر هذه الشريحة تحرص على قضاء أسبوع أو أكثر فى أحد المصايف عبر النوادى والجمعيات المرتبطة بأعمالهم، وصحيح أيضاً أن شبابهم يستمع للأغانى الشبابية ومشاهدة الأفلام عبر وسائط إلكترونية، وصحيح أيضاً أن تخرج هذه الشريحة فنانين عباقرة فى المجالات المختلفة، ولكن قدرة الأسر على الاستمتاع والخروج من دوائر التدين الضيق، ومن ضغوط الحياة وحرمانها، هذه القدرة محدودة إلى حد كبير. ويبدو أن صور الإبداع التى تتفتق داخل هذه الشريحة هى التعبير الأمثل والتعويض الأكبر لكل صور الضغوط والمشقة التى تصادفها.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: