رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثقافة الطبقة الوسطى.. الوجه الثانى

تناولنا فى المقال السابق جانباً من ثقافة الشريحة العليا من الطبقة الوسطى تحت ما أطلقنا عليه الوجه الثقافى الأول. ونتجه بالقصد اليوم إلى الشريحة الثانية؛ فنتحدث عن وجه ثقافى ثان نراه عندما ننزل قليلاً على سلم الطبقة إلى ناحية الوسط. هنا سوف نجد صنوفاً مختلفة من البشر، منهم أولئك الذين يمارسون مهناً متخصصة فى مجالات الحياة المختلفة (الصحة والتعليم والقضاء والعمران، وإدارة خدمات الإسكان والكهرباء والشئون الاجتماعية والثقافية وإدارة العمل الحزبى والنقابى والمدني) وينضاف إليهم مجموعات كبيرة من السكان التى تنشغل بآليات الإنتاج وبالتبادل وإدارة الأسواق أو إدارة الملكيات العقارية. نحن هنا بصدد شريحة أعرض تحتل مساحة كبيرة، وهى شريحة تكاد تمسك زمام الأمور التبادلية والإدارية والرقابية، وهى بذلك تتحكم فى المفاصل الأساسية للبناء الاجتماعي.

ويفرض هذا الاتساع تنوعاً فى أساليب حياة الشريحة، وهو تنوع يتدرج وفقا لما هو متاح من الثروة وفرص العيش. ولذلك فإننا نتوقع أن تنتشر هذه الشريحة، فى اختياراتها لأماكن إقامتها، بين أماكن كثيرة. حقيقة أن العدد الأكبر يتركز فى الأحياء التى تسمى بأحياء الطبقة الوسطى فى المدن الكبرى، ولكن البعض زحف على الأماكن المسيجة، أو أنشأ مساكن مستقلة تمنح العائلة قدراً من الاستقلال والتقارب والهدوء. وينعكس هذا الانتشار على اختيار نمط المعمار للسكن المفضل؛ لقد كانت الشقة الفسيحة، ومازالت، هى النمط الأكثر شيوعاً لسكن هذه الشريحة، ولكن التراكمات المادية لدى البعض (من ممارسة المهنة أو السفر) قد دفعت قطاعاً منها إلى تفضيل نمط عمرانى مغاير، يتمثل أحياناً فى البيوت المستقلة التى تختلف فى مساحتها وما يحيط بها من تسهيلات. وينعكس هذا التباين فى نمط السكن والمعمار على الاستهلاك؛ حقيقة أن معظم هذه الشريحة تعيش فى رغد من العيش، ولكن هذا لا يمنع وجود تباينات تنعكس فى بعض جوانب الاستهلاك مثل ماركات السيارات، والأزياء، وأنواع الأطعمة، وطبيعة الأماكن التى يتم فيها التسوق والترفيه.

ورغم تسليمنا بهذه التباينات إلا أن ثمة سمات عامة تسم الواقع الثقافى لأسلوب حياة أصحاب الوجه الثاني. من أول هذه السمات الطموح الاستهلاكى الكبير الذى يعكس الرغبة فى تغيير أسلوب الحياة (تغيير الأماكن وماركات السيارات وأماكن الترفيه...إلخ) كلما تغيرت الظروف الاقتصادية. وترتبط هذه السمة بسمة أخرى تتصل بالتنافس الكامن بين أبناء هذه الشريحة؛ وهو تنافس لا ينعكس فى أساليب الاستهلاك فقط بل ينعكس على التنافس على مواقع السلطة والتأثير داخل الإدارات الحكومية والتنظيمات الإنتاجية والتجارية (يتغلب هذا النوع من التنافس على التنافس المهنى الذى يتوارى أمام البحث عن المال والسلطة، فكلاهما يشكل طموحاً أمثل لدى أعضاء هذه الشريحة، بحيث تجد الواحد منهم بثلاثة أقدام واحدة فى عالم المهنة، وأخرى فى عالم المال، وثالثة فى عالم السلطة الإدارية، وقد أضيف رابعة فى عالم السياسة، إذا أتيحت الفرصة). أما السمة الثالثة فهى التقليد؛ إلى درجة إننا يمكن أن نتحدث عن مسارات متشابهة ناتجة عن التقليد، وهنا تبدو الممارسات الاستهلاكية والثقافية للشخص، وكأنها تقتفى أثر شخص آخر أو أشخاص آخرين ساروا فى نفس المسار من قبل. وتلك خصيصة جوهرية يجب أن نتأملها جيداً ونحن نبحث فى موضوعات ثقافية أعمق مثل الفردية والاستقلال والقدرة على التجاوز والإبداع والابتكار.

ويدعونا هذا التعمق إلى تناول الجوانب المعنوية لدى هذه الشريحة، خاصة رؤيتها للعالم، وأسلوب تدينها، وعلاقتها بعالم التذوق الفنى والثقافي. حقيقة أن هذه الجوانب تحتاج إلى مزيد من التقصى الميداني، ولكننا نستطيع أن نذهب على سبيل الافتراض أن الوجه الثقافى الثانى يكشف عن رؤية للعالم تنبع من الالتفاف حول الذات، أى حول إدراك المصالح الذاتية فى مقابل مصالح الآخرين، وفى مقابل المصالح الوطنية العامة. وتؤدى هذه الرؤية الضيقة للعالم إلى تعزيز لتراكم المنافع فى مقابل هدر التراكمات التى تُجسر العلاقة مع الآخرين ومع المجتمع، وتفكيك الجسور التى تعمل على تكوين رأس المال الاجتماعي. ولاشك أن هذا الموقف يكشف عن قدر من الانشطار فى الرؤية العامة. فرغم الاشتراك فى الرؤية الذاتية، إلا أن تلك الأخيرة تنتهى إلى انشطار الرؤى أو تشظيها إلى درجة الاختلاف على الحد الأدنى من القواعد الاجتماعية، وأن بدا عليها الاتفاق ظاهرياً.

وينسحب هذا الانشطار على أساليب التدين. فقد تجاوزت أساليب التدين هنا التدين البسيط الخالى من التكلف والتَنَطَّعَ. ويتمثل هذا التجاوز فى تطوير أساليب للتدين مستمدة من مصادر ومؤثرات مختلفة. فهناك الأساليب المعتمدة على رؤية استبعادية متطرفة (الإخوان المسلمون مثالا)، وهناك صور التدين الشكلى الأدائى الذى تصاعد مع تصاعد موجات الهجرة إلى بلاد النفط؛ وكذلك صور التدين الطقوسى الأكثر ارتباطاً بتعليم نظامى أو تعلم ذاتي؛ كما تطور أيضاً نمط التدين الشبابى الذى تشكل بتأثير دعاة ذوى طلة حديثة مخالفة, وأخيراً صورة التدين الاحسانى الذى يبالغ فى حشد الجهود من أجل مساعدة الفقراء، أو إطعامهم، وهو نمط من التدين يتداخل مع سوق الإعلام والإعلان.

وكما تتباين العلاقة بالمقدس تتباين معها العلاقة مع عالم الجمال والتذوق الفني. ومن المتوقع فى ضوء انتشار هذه النزعات الدينية وما يرتبط بها من أفكار وأساليب حياة أن يتراجع الإحساس بالجمال وأن تفقد حياة تلك الشريحة جانباً كبيراً من حبها للمعرفة والجمال، وأن تتدهور الأطر الحاكمة لإنتاج المعرفة والفنون.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: