رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

وجوه ثقافية للطبقة الوسطى...الوجه الأول

هذا هو المقال الأول فى سلسلة مقالات تهتم برصد وتحليل بعض جوانب من ثقافة الطبقة الوسطى، بعد أن وصفناها إجمالاً فى المقال السابق. ونخصص هذا المقال لإلقاء الضوء على أسلوب حياة الشريحة العليا من الطبقة. يعد أسلوب الحياة Life Style عنصراً أساسياً فى التكوين الثقافى الطبقي، إذ إنه يشير إلى الطرائق المختلفة التى تنتهج فى مجال الاستهلاك، والتسوق، والترفيه، والتدين...الخ، والتى يتوقع أن تطبع كل شريحة من شرائح الطبقة بطابع معين، وتبنى لها وسطاً معيشياً يميزها عن الشرائح الأخرى، ويكشف عن مصالحها وتوجهاتها الثقافية، ومضمون وعيها بموقعها الطبقى وعلاقتها بالمواقع الأخرى. وإذا كانت الطبقة الوسطى تتباين من الداخل فى تكوينها الاجتماعي، فإنها ستكون بالتالى حمالة لأوجه ثقافية متباينة يلخص كل منها الوسط المعيشى الثقافى الذى يسم كل شريحة ويعطيها سمتا وصبغة. نناقش هنا الوجه الأول الذى يتشكل عند قمة الطبقة.

توجد هنا مجموعات من البشر تتكون من خليط من رجال الأعمال وكبار التجار وكبار رجال إدارة الأعمال. تمتلك هذه الفئة من الثروة ما يجعلها قادرة على توسيع نصيبها من الفرص بشكل دائم، وما يجعلها قادرة على الحركة عبر المكان، ومن ثم القدرة على الفعل الحر الذى يفعل ويرنو من بعيد دون انتظار لرجع الصدى. ولا يمكن وصف هذه الفئة بأنها طبقة برجوازية بالمعنى المعروف لهذه الكلمة، فمثل هذه الطبقة لم توجد أصلاً فى مجتمعاتنا، وإنما هى شريحة من الطبقة الوسطى، تملك من الفرص ومن روح المغامرة ما يجعلها تطفو على السطح وتتربع على قمة الهرم الطبقي، ولكنها تبقى - فيما اعتقد - حاملة لعقلية الطبقة الوسطى وإن تخلت عن بعض أساليب حياتها. وفى ضوء ذلك فلا نتوقع أن تكون هذه الشريحة شريحة داعية إلى التقشف أو الزهد فى الحياة الدنيا، بل إنها تتحول إلى شريحة تتفتح على عالم الاستهلاك، وتسعى إلى صور من التميز فى أساليب الحياة، تجعلها مختلفة عن غيرها، وهى تبث عبر رموزها هذا الاختلاف. وإذا نظرنا حولنا فلن نجد هذه الشريحة، إنها تنأى بنفسها فتختار أن تقطن فى قصور أو مزارع أو منتجعات بعيدة، بل إنها تبالغ فى البعد المكانى أحياناً، فتترك ما كانت فيه فى الماضي، لتبحث عن جديد بعيد ومتميز يحافظ لها على سمتها ورونقها. يظهر ذلك جلياً ليس فى تغيير أماكن السكن لتكون أبعد فحسب، ولكن فى تغيير أماكن الترفيه والمتعة «إما فى خارج الوطن أو فى أماكن بعيدة داخل الوطن» وتتحول هذه المنتجعات الجديدة لا إلى أماكن للترفيه فقط، بل لإقامة المهرجانات والولائم والأفراح. ولاشك أن هذا الميل نحو التباعد الاجتماعى يصاحبه ميل نحو تفضيل أساليب استهلاك مختلفة، تضفى على أصحابها ذوقاً خاصاً فى الأطعمة، وأناقة خاصة فى الملبس أو ديكور المنازل أو السيارات. يقصد هنا أن تعكس هذه الأساليب نوعاً من الأناقة أو الشياكة التى تحتكرها هذه الشريحة دون غيرها. فليس بمقدور أحد غيرهم أن يقتنى هذه النوعية من السيارات، أو اليخوت، أو الطائرات الخاصة، وليس بمقدور أحد غيرهم أن يشترى أعلى الماركات من أشهر المحال العالمية، أو أن يجعل طعامه كله من مصادر عضوية. لا تكون العلاقة بالسوق هنا علاقة محلية بقدر ما هى علاقة معولمة لها أبعاد أوسع نطاقاً، وهى علاقة لا تحمل رموزاً لبثها فى المجتمع أو فى الشرائح الأدنى من الطبقة، ولكن لبثها فى الشرائح المناظرة من بلدان أخرى، أو بين الأسر داخل نفس الشريحة. فهى تحمل لغة لا تعرف إلا لأهلها، ولا تفهم إلا لمن يمارسها. ولذلك فإننا نفترض هنا أن أساليب حياة الشريحة العليا لا تمكنها من أن تطل على مجتمعنا أو أن تنظر فى جذورها أو فى تاريخها ولكنها تمكنها من أن تعيش اللحظة وأن تحتفى بالحياة. لا يعنى ذلك أنها شريحة منعزلة، بل يعنى فقط أنها متباعدة، وأن طلتها عزيزة، تبدو فى برامج إعلامية، أو نفحات إحسانية، أو مبادرات فنية أو غير فنية، أو منح وهبات مفاجئة. ولا يمكن أن تكتمل الصورة الثقافية لهذه الشريحة العليا دون النظر فى الجوانب غير المادية من الثقافة. فلا شك أن حياة هذه الشريحة هى حياة أكثر من جوانبها المادية وأعمق. صحيح أن الجوانب المادية تكون أكثر الجوانب حضورا ولكنها تبقى ناقصة إذا لم نشر إلى الجوانب اللامادية فى الثقافة، أقصد رؤية العالم، والعلاقة بالزمن، والعلاقة بالمقدس والجميل «الفن». وتلك أمور مهمة تنقصنا منها الكثير من التفاصيل التى يمكن أن توفرها دراسات ميدانية لاحقة. ولكن نستطيع على سبيل الافتراض أن نذهب إلى القول إن ثقافة هذه الشريحة تبنى على رؤية للعالم تقوم على فهم «ذاتى» لأهمية الدور الذى تلعبه فى الاقتصاد، والصورة الذهنية عن انجازات الرجال والنساء وعطائهم للوطن، وكفاحهم الكبير من أجل تحقيق هذه المكانة، وحقهم فى أن يستمتعوا بما حققوا من إنجازات. ويلعب الزمن دوراً مهما فى حياة الأفراد هنا خاصة الأفراد الذين يديرون الأعمال وينخرطون بعمق فى زمن سريع، تصاحبه حركة سريعة، وتقدير كبير لقيمة الوقت. ولكن هذا الزمن المحسوب قد يتحول إلى زمن مسكوب كلما خرجنا من دائرة العمل والنشاط إلى الحياة اليومية الأوسع. وتحدد كل هذه العوامل طبيعة التدين الذى يتوقع هنا أن يتحول إلى تدين يتراوح بين التدين الأدائى الذى يربط بين الممارسة وما تأتى به من أرصدة اجتماعية وثقافية، وبين التدين الصوفى الذى يميل إلى التبرك بالأولياء، والتدين الشعبى الذى يؤمن بالسحر والقدرات الخارقة لأربابه. ومثلما تكون العلاقة بعالم التدين علاقة نفعية تكون العلاقة مع الفنون والمعارف، التى تتحول فى الممارسات الاقتصادية إلى مشاريع تجارية تعمل على تسليع الفن فى شكل أفلام ومسلسلات وأغنيات، وتسليع المعرفة عبر نظم التعليم الخاصة. نحن هنا بإزاء ثقافة، قد تكون منجزة وفعالة فى تراكماتها المادية. ولكنها ثقافة نائية منغلقة، قد تطل احيانا بعظة او بشفقة او جائزة ،ولكنها تظل هناك تخاف ان تنصهر فى جذورها.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: