رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثقافة الطبقة الوسطى .. مقدمات عامة

لقد أغرتنى الاستجابات الإيجابية حول سلسلة مقالاتى عن الطبقة الوسطى بالاستمرار فى إثارة قضايا واشكاليات حول هذه الطبقة التى تمسك بكل أطراف الزمام فى حياتنا، التى على نواتج عملها تدار دفة الحياة فى المجتمع. ولعلنا ننتقل فى هذه السلسلة من المقالات إلى تفاصيل فى ثقافة الطبقة الوسطي. ولكن البحث فى التفاصيل يحتاج دائماً إلى مقدمات عامة نحاول إجمالها فى هذا المقال الذى يلقى نظرة عامة على ثقافة هذه الطبقة. لم تعد الطبقة الوسطى طبقة واحدة متجانسة فى تركيبها وفى هويتها؛ لقد تنوعت شرائحها من الداخل، بل إن هذا التنوع ربما يكون قد ظهر داخل الشريحة الواحدة. ولم يحدث ذلك بسبب عوامل من داخل الطبقة، بقدر ما حدث بسبب عوامل من خارجها ترتبط بالتطورات التاريخية التى لحقت بالمجتمع المصرى بدءاً من قيام ثورة 23 يوليو، التى هى ثورة الطبقة الوسطى بامتياز، مروراً بسياسات الانفتاح الاقتصادى فى السبعينيات، وانتهاءً بالانفتاح الشديد على عوالم وثقافة الإقليم عبر الهجرة والسعى إلى طلب الرزق. لقد أدت كل هذه التغيرات إلى أن يغيب عن الطبقة وجهها المتجانس، إلى حد كبير، والذى كان قد تشكل فى نهضة النصف الأول من القرن العشرين. إن الوجه الذى نراه للطبقة الوسطى الآن يختلف عن هذا الوجه المتجانس، فقد تحولت إلى مجموعات من البشر تختلف, اختلافات جذرية فى بعض الأحيان, فى هويتها الطبقية، وفى مراميها الحياتية، وفى أساليب حياتها، وفى طموحاتها من الحياة، وفى طبيعة وعيها الاجتماعى بدورها التاريخي.

ويدخلنا ذلك مباشرة فى ثقافة هذه الطبقة. فمن المتوقع أن يؤدى هذا التباين فى التركيب إلى تباين فى الثقافة. ويتجلى هذا التباين فى جوانب عديدة يمكن النظر إليها على أنها تشكل أركيولوجيا ثقافية يتم قراءتها من أعلى أو من أسفل، من القمة أو من القاعدة. وتبنى هذه الأركيولوجيا على فسيفساء طبقية، لا نقرأ فيها التجانس، الذى تحدثنا عنه فى فترة التشكيل المبكر للطبقة فى بداية القرن العشرين. إن هذه الفسيفساء تحول الاركيولوجيا الثقافية إلى اركيولوجيات متوازية ومتداخلة فى جسد الطبقة، بحيث يستطيع الناظر إلى هرم الطبقة من قاعدته إلى قمته، أو العكس، أن يقرأ تفاصيل يمكن أن يضعها فى تشكيل هرمى يبدو من الداخل كقطعة فسيفساء مليئة بالتفاصيل.

وتظهر هذه التباينات بشكل واضح فى التوزيعات المكانية للطبقة. فكل جماعة تحتل مكان إقامتها فى ضوء إمكاناتها، وفرص الحياة المتاحة أمامها وتطلعاتها إلى التميز. وفى هذا الفضاء المكانى للطبقة الوسطى نستطيع أن نميز بين الشرائح الأكثر بعدا, والتى تنأى بنفسها بعيداً عن الزحام، وتخلق بيئات جديدة تتناثر هنا وهناك فى بؤر حصرية على محيط المدن الكبري، فى أشكال متباينة من المعمار العصرى (القصور والتجمعات المسيجة. وفيلات المزارع فى أطراف القري)؛ ونستطيع أن نميز هذه الشرائح عن الشرائح التى تسكن أحياء الطبقة الوسطى فى المدن، وتلك التى تتناثر داخل الأحياء المكتظة بالسكان, حيث تتجاور قاعدة الطبقة مع الشرائح الأدني. ومن التباين فى التوزيع المكانى يمكن أن ننتقل إلى التباين فى أساليب الحياة، وما يرتبط به من تباين فى فرص الانفتاح على العالم، وفرص الاستهلاك، وما يحيط به من رموز. ويعكس هذا التباين تنويعات كثيرة ترتبط بتنويعات مستويات الاطمئنان والحرمان. وتصاحب هذه التنوعات فى أساليب الحياة تنويعات أخرى فى العلاقة بالمقدس وما تفرضه من طقوس وممارسات وأنماط للتدين، واستدعاء لأشكال التراث الشعبى ورموزه. وتستدعى التباينات فى أساليب الحياة وأساليب التدين تباينات مصاحبة فى تمثيلات الجسد التى من خلالها نتعرف على الطريقة التى تطل بها كل شريحة على العالم، والآليات التى تحكم ضبط الجسد ورموزه، بل أيضاً الطريقة التى تتشكل بها صورة الجسد فى المخيال الطبقى ومدى تحقق هذه الصورة فى الخارج. وقد نفكر أخيراً فى التباينات التى ترتبط بطقوس الحياة وفنونها. ولاشك أن كل هذه التباينات تمتلئ بتفاصيل كثيرة تكشف عن دراما طبقية أكثر مما تكشف عن كتلة بشرية متجانسة. ويدعونا ذلك إلى أن نتأمل موضوعات مهمة تتصل بشكل غير مباشر بدور ثقافة الطبقة بعمليات بناء الدولة والمشكلات التى تكتنفها. ونشير هنا إلى موضوعات أربعة يستحق كل منها أن يحتل مساحة ما من تفكيرنا. الموضوع الأول يتعلق بعلاقة هذه الطبقة بمشروع الحداثة فى مصر؛ وكيف تشتت تطلعاتها فى بناء هذا المشروع، الأمر الذى يحيلنا إلى الموضوع الثانى الذى يتعلق بالطريقة التى دخلت بها هذه الطبقة إلى بناء مشروع الحداثة وطبيعة النجاحات التى حققتها والانكسارات التى عانتها. ويثير ذلك سؤالاً مهما يطرح موضوعاً ثالثاً؛ هل نجحت الطبقة الوسطى فى أن تنفض يدها من التقاليد ومن الماضي، أم أن التقاليد والتعلق بالماضى قد أفقدها القدرة على أن تبنى حداثة ناصعة حاضنة، واجبرها على أن تبنى حداثة راجمة غير قادرة على احتواء أهلها وإلباسهم ثوب العقل والطمأنينة. وأخيراً ما حدود المسئولية الوطنية للطبقة الوسطى فى التنمية، وهل كانت الطبقة الوسطى قادرة على أن تخلق لنفسها مهمة تاريخية فى البناء على غرار البرجوازية فى المجتمعات الغربية. وإذا كانت قد تعثرت فمن جاء لها بالعثرة: هل التاريخ هو الذى أفقدها المهمة، أم أنها هى التى سلبت التاريخ قدرته على التدفق والاستمرار؟

قد يسأل القارئ: وما علاقة هذه الموضوعات وتلك الأسئلة بثقافة الطبقة الوسطي؟ والإجابة يمكن اكتشافها بالعقل: إن الثقافة فى التحليل الأخير هى مخططات عقلية، ترسم الطريق للبشر، وتحدد لهم مسارات حياتهم، وطرائقهم فى إنجاز هذه المسارات. ولذلك فلا سبيل إلى كشف النجاحات والاختلالات فى هذه المسارات إلا بمعرفة طبيعة المخططات العقلية التى تقف هناك فى البنية العميقة من الثقافة. نعم نحن نصنع جل حياتنا بقوانا الفيزيقية ولكن كل حركة وكل فعل لا يأخذ مساره إلا بإرادة وعقل.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: