رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الطبقة الوسطى... ماذا يحدث عند القاعدة؟

سوف نحاول في هذا المقال أن ننزل قليلاً إلى أسفل الطبقة الوسطى لتكون محطتنا الأخيرة هي النظر فيما يحدث عند القاعدة، وبادئ ذي بدء فإننا هنا بصدد الشريحة الأكثر عدداً، والتي تشكل القاعدة العريضة للطبقة الوسطي (يقدر البعض هذه الشريحة بنحو 40% من حجم الطبقة الوسطى)، الأمر الذي يجعل للحديث عنها أهمية خاصة. دعونا نرصد قبل أن ندخل في هذا الحديث عدداً من الشواهد من واقع هذه الشريحة. من أول المشاهدات أنه بجانب كبر حجمها فإن أعداداً كبيرة منها قد قدمت من الريف واستقرت في الحضر، وإنها بدأت تنمو وتتسع داخل المجتمع الريفي نفسه على أثر التغيرات الديموجرافية والعمرانية في الريف, وهي تقوم في الغالب على تكوين أسر نووية تعتمد على قوة العمل للزوج والزوجة, كما أن أعداداً كبيرة منها تتجه إلى مضاعفة الاستفادة من قوة العمل بالالتحاق بعمل آخر بعد انتهاء العمل أو الانخراط في مشروعات استثمارية صغيرة تدر دخلاً, يرتبط بذلك بذل أقصى جهد لإيجاد فرص عمل في الخارج، خاصة في دول الخليج؛ إلي جانب ذلك فإنها تطور آليات للتكيف والتحايل مع ظروف الحياة ومواجهة مشكلاتها من أهمها التعاون في إنشاء جمعيات دوارة سواء في العمل أو بين الأقارب والجيران, ويصاحب ذلك اهتمام كبير بتعليم الأولاد والبنات والتباهي بهم، مع الخوف الشديد عليهم من الحسد أو الفشل, ويدخل ضمن الاهتمام بالأبناء تفضيل التسمية والنداء باسم الابن الأكبر (أبو فلان وأم فلان)، وهو نداء يحل محله تدريجياً -مع التقدم في السن- اسم الحاج أو الحاجة.

وعلى خلفية هذه المشاهدات يمكن أن نسوق عدداً من التأملات حول أوضاع هذه الشريحة العريضة من الطبقة الوسطى. يلتفت النظر أولاً إلى اتساع قاعدة الطبقة ووضعها القاعدي عند الضلع الأسفل من المثلث، ترفع ما فوقها على رأسها وتفتح ذراعيها لما تحتها لتستقبله إن شاءت له ظروف حياته حركة وانتقالا. إن وضع هذه الشريحة عند القاعدة يجعلها تعمل كمفرخة للصعود، وكملاذ (مأوى) للقادمين الجدد. ويضفي هذا الظرف سيولة كبيرة على تركيب الشريحة، فهي تصبح مكاناً للاستقرار وللعبور في نفس الوقت. وربما تدلنا هذه السيولة في تركيب الشريحة على تنوع البشر الذين يندرجون تحتها، ولهذا التنوع مصادر عديدة فهي تضم خليطاً من أهل الريف وأهل المدن، ومن الموظفين المستقرين في وظائف حكومية ونظرائهم ممن فضلوا المخاطرة في أعمال تجارية أو صناعية. وتبدو أشكال التباين في التركيب على أنها تباينات أفقية تكشف عن تنوع هائل.

ورغم الاستقرار النسبي الظاهر للناظر من الخارج فإنه يواري خلفه وجودا قلقا يطل برأسه علي استحياء من وراء خطاب الستر والرضا والقناعة. وربما نكتشف هذا الوجود القلق عبر تتبعنا لنوعية الحرمان ومظاهر التعبير عنه، في مقابل الطموح ومظاهر التعبير عنه ايضا. الحرمان هنا ليس حرماناً نسبياً فقط، وإنما هو حرمان مدفون أو متوار يكشف عن نفسه في مظاهر عديدة كالارتباط الشديد بالراتب الشهري وانتظاره بفروغ الصبر، واللجوء إلى الشراء بالتقسيط والاقتراض البنكي، وتكوين الجمعيات الدوارة في حالة الإقدام على شراء ما هو كمالي أو ما هو مطلوب لمناسبة سعيدة. صحيح أن شوارب لهذا الحرمان تطل برأسها في خطاب ممتعض، قلق، يميل إلى السخرية، ولكنه يكون مغلفًا بالتعبير عن الرضا والشكر والتأكيد على أن الأحوال هنا أفضل من أحوال الآخرين. يعبر خطاب الامتعاض عن الحرمان المكبوت، ويقدم خطاب الستر حجاباً يداري ما في النفس من قنوط. وعلى نفس المنوال يتشكل الطموح، إنه طموح محسوب، إذا استثنينا الشريحة الشبابية الساكنة في القاعدة. إنه طموح يرتبط بالترقي في الوظيفة العمومية التي يكون التعلق بها كبيراً، على غرار ما تكشف عنه رواية نجيب محفوظ حضرة المحترم. ولعل هذا الطموح المحسوب هو الذي يجعل شريحة القاعدة أميل إلى تسكين الأولاد والبنات في وظائف حكومية.

ولقد ألمحنا من قبل أن جل هذه الشريحة قد جاءت من الريف أو انحدرت من شرائح أدنى، ولذلك فإن نوعية حياتها الثقافية تكشف عن توتر واضح بين معطيات الحداثة وبين الميل الشديد إلى التقليدية. تحتل الشريحة أماكن حديثة، وهي الوقود الذي يشتعل في أتون البيروقراطية المصرية، وفي أتون التبادلات التجارية والإنتاجية اليومية. ومع ذلك فإن التفاعلات والأساليب الخطابية السائدة تدل على وجود ميل نحو قلدنة الحداثة, أي إضفاء الطابع التقليدي على التفاعلات الحديثة. يتجلى ذلك بصور عديدة؛ نذكر منها تكوين شلل ودوائر تؤسس لهيرركية تقليدية (تقوم على علاقات التابع والمتبوع) بجانب الهيرركية الرسمية، والدخول في صراعات صغيرة للحصول على كميات صغيرة من كعكة صغيرة، وفتح ثقوب للخروج عن القواعد والقوانين في ساعات العمل (قد نفكر هنا في الفساد الصغير أيضا)، وتطوير أساليب خطابيه تقليدية (أصبحت كلمة الحاج والحاجة من الكلمات المتداولة داخل الجهاز البيروقراطي), والإصرار على ممارسة الطقوس اليومية العادية، بما في ذلك إقامة صلاة الجماعة. لا يعمل الجهاز البيروقراطي هنا على استملاك القواعد العقلانية الحديثة، بل يعيد تشكيلها بشكل تقليدي, فيهبط الأداء الإداري ويتَزاوَرُ عَنْ الكفاءة والفاعلية، ولكنه لا يتَزاوَرُ أبداً عن الرغبة العارمة في الصعود والترقب وفي الحصول على أعلى مكاسب ممكنة من الوظيفة الحكومية، وفي تطوير آليات تحايل مستمرة مع ظروف الحياة المتغيرة. ويكشف واقع القاعدة العريضة من الطبقة الوسطى عن مزيد من التفاصيل المتصلة بالميول الثقافية والمواقف الفكرية التي تتصل بعمليات قلدنة الحداثة وما يرتبط بها من ميول ماضوية وتناقضات سلوكية، سوف نكشف عن بعض جوانبها في رحلة ثانية عبر التدرج الثقافي الرمزي داخل الطبقة الوسطى.


لمزيد من مقالات د.أحمد زايد

رابط دائم: