رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المقـريزى مـؤرخ الخطط والأزمات

ســـــهـير حـــــلمى

«الإعراض عن النظر فى العواقب ٠٠فلا تجدهم يدخرون شيئا كما هى عادة غيرهم من سكان البلاد ٠٠قال لى شيخنا عبدالرحمن بن خلدون: أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب»


............................

هكذا رصدالمقريزى السلوك الاجتماعى فى مصر متأثرا بنظرية أستاذه ابن خلدون الذى كان يحضر حلقاته الدراسية فى فلسفة التاريخ الاجتماعى والسياسى متتبعا مسار الأفول وتدهور أحوال الدول وتراجعها.. كان غزو التتار والمغول ملهما لكل من الأستاذ والتلميذ (المقريزى) الذى ايقظ الهمم ووصل ما انقطع من كتابات العصور الوسطى عن مصر،نتيجة لاندثار كتابات يوسف الكندى والقضاعى التى رصدت خطط مصر وأحوال أهلها فى العصور الوسطى.

ولد المقريزى عام 766ـــ845 هجرية فى حارة برجوان بالجمالية فى أغنى بقاع مصر تراثيا وروحانيا وزخمااجتماعيا.. قدمت عائلته من لبنان (بعلبك) واهتمت أسرته بتعليمه وتثقيفه وتولى جده لأمه هذا الأمر، أخذ العلوم عن شيوخ كل فرع، وجالس الأئمة وتأثر بهم.. حتى بلغوا ستمائة معلم وشيخ، امتلك مؤرخنا بنية معرفية موسوعية رصينة،على دراية بعلوم عصره واللغة وآدابها و الشعر والأنساب والموسيقى والفلك.. كان تلميذا نابها يعتز به أستاذه الفذ عبدالرحمن بن خلدون، اختار الأحداث وانتقى منها ما يصلح للاعتبار.. متسلحا بمشرط أستاذه فى فلسفة التاريخ وتتبع مساره، اقتفى المقريزى الدرب باحثا عن الأسباب والمقدمات التى أدت إلى نتائج التدهور والتراجع فى دولة المماليك، مستبعدا النظرة الجزئية التى تؤدى إلى افتقاد الموضوعية والانحيازات.. مؤكدا وحدة الطبيعة البشرية التى تقبل التعميمات مهما تختلفت الأزمان أسهم المقريزى فى إثراء المكتبة العربية بمؤلفاته المتنوعة التى تناولت العديد من الشئون.. فكتب عن الأوبئة والمجاعات « إغاثة الأمة بكشف الغمة و السلوك لمعرفة دول الملوك.. والبيان والإعراب عما فى أرض مصر من الأعراب.. والنزاع والتخاصم فيما بين بنى أمية وبنى هاشم «.. بلغت مؤلفاته المائة ما بين مجلدات ورسائل وكتابات أخرى قيمة عن النقود والمعادن والموسيقى والنحل وعلم الكلام.. يعد تغرى بن بردى صاحب كتاب «النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة» من أبرز تلاميذه.

تقلد مناصب عديدة.. كانت تمده بخبرات متراكمة ووهج فى كتاباته وبصمة مميزة فى تحليله وتفسيره للأحداث، فعمل إماما وقاضيا ومعلما لعلم الحديث وخطيبا بجامع عمرو بن العاص وإماما فى مدرسة السلطان حسن.. وأخيرا محتسبا للقاهرة والوجه البحرى.. وهذا المنصب كان بمنزلة نقلة نوعية لمعارفه وقدراته، حيث يتطلب المنصب الرفيع، الاتصال بكل الفئات وارتياد الأسواق ومراقبة الأسعار ومتابعة المعاملات والدراية بالموازيين، وأحوال الناس من مختلف الحرف والمهن، من هنا تألقت كتاباته بالموضوعية والملاحظات الذكية بأحوال البلاد والعباد.. إضافة إلى رونق السرد الأنيق وطلاوة الاختزال وبراعته.. وزوايا الرؤية المتميزة التى ينفذ منها للب الحدث.. كتب عن الأزمات والمجاعات والأوبئة وله ابنة توفيت بأحداها ويعد سابقا لعصره فى تفصيلها وتحليلها وبيان أسبابها.

وجاء سفره الشهير «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» شاهدا على تاريخ (المكان) وما جرى عليه من تغييرات وبشر وحكام.. قراءة واعية ولم للشعاث المترامية من تاريخ مصر منذ عهد الطوفان مرورا بسير الأنبياء وصولا للسلطان الأشرف برسباى.. يعرض المقريزى الحدث وينتخبه وفقا لرؤيته الخاصة ويخضعه لعوامل الجذب والتشويق.. مستعينا بأدواته المنهجية التى تجعل من الظواهر التاريخية مرجلا لا يهدأ، من التأرجح بين الشك واليقين والحرفية والنكهة الخاصة فى العرض والتفسير.. يقينا منه أن دور المؤرخ يتجاوز رصد الأحداث إلى تعليلها وتفسيرها، كلما استطاع لذلك سبيلا، مفضلا الإيجاز عن الإسهاب..لا يغل قلمه فى الوصف ولا يبالغ.. مستحضرا كل الطرائف والمراجع.. راصدا للغرائب ومبررا لها أحيانا: «عين ابن آدم ضيقة فإذا حدث القوم بما يتجاوز مقدار عقولهم،أو مما ليس عندهم ليقيسونه ويألفونه.. عجلوا للارتياب فيه وسارعوا إلى الشك فى الخبر، إلا من كان معه علم فإنه يفحص ما يبلغه، حتى يجد دليلا على قبوله أو رده» ومن آرائه أنه لا عبرة فيما تقوله العامة.. لكنه أيضا العالم الجليل الذى ينحنى تواضعا أمام الحقيقة وغموض التاريخ وتحريفه أحيانا.. بقوله فى جمله الختامية: هذا ما قيل والله أعلم!

تقلد المقريزى مناصبه فى عهد السلطان برقوق وابنه فرج برقوق وسافر إلى دمشق لمدة عقد من الزمان،ثم إلى مكه وقضى بها خمس سنوات.. ثم قرر اعتزال المناصب العامة والتفرغ للكتابة.. حيث استغرق كتابه «المواعظ والاعتبار» المعروف بالخطط المقريزية فى كتاباته، ما يقرب من ربع قرن كان شأن أستاذه متأثرا بالغزو المغولى، والبحث فى أسباب تدهور الدول وفسادها وزوال حضارتها.. واستنتج أن مناعة الدول المتماسكة داخليا، تتغلب على أى غزو، حتى لو عانت صراعات أو المشاكل.. فالقاعدة الذهبية للمجابهة مفادها: اضبط الداخل.. تنصلح الأحوال فى الخارج٠

فى معرض رصده لأسباب تدهور دولة المماليك البرجية كما عاصرها، يسرد بسلاسة كيف كان يتم استجلابهم وشرائهم من الخارج وكيف كانت الأساليب المتبعة فى تنشئتهم فى (طباق) مخصصة لهم وهى أشبه بالأبراج.. كل مرحلة عمرية لها طواشى يعلمها الكتابة والقرآن وفيما بعد استخدام السيف والرمح وإجادة فنون القتال،وكان السلاطين يمنحونهم الإدرارات الكثيرة من اللحوم والكسوة والأطعمة والمعاليم (النقود الذهب والفضة) وكانت كل مجموعة تخضع لرقيب يفحص أفرادها ويتشددون فى تتشئتهم، وعلى حد تعبيره يصفهم بقوله:

»كانوا سادة يدبرون الممالك وقادة يجاهدون فى سبيل الله،وأهل سياسة يبالغون فى إظهار الجميل.. يردعون من جار أو اعتدى.. واستمر الحال بعض الشيء فى زمن السلطان برقوق.. بعد عودته الثانية للحكم.. فرخص لهم السكن فى القاهرة ونزلوا من الطباق وتزوجوا من نساء المدينة، وخلدوا إلى البطالة.. ثم ساءت الأحوال فى أيام فرج برقوق، فانقطعت رواتبهم وانقطعت اللحوم واستبدلت بالفول، واستمر جلبهم، وكانوا فى بلادهم ما بين ملاح سفينة ووقاد تنور أو خباز،أو محول ماء فى غيط، واستقر رأى السلطان على أن تسليمهم للفقيه يتلفهم ويجب أن يتركوا وشأنهم، فبدلت الأرض وصارت المماليك السلطانية أرذل الناس وأدناهم وخربت أرض مصر والشام، بسوء إيالة الحكام وشدة عبث الولاة.. ثم يذكر المقريزى ناقدا لا مقرزا،كيف كان السلطان حريصا على شرائهم من بلاد أزبك أو الروم أو بغداد ولم يراع عادة أبيه فى تنقل المماليك فى أطوار الخدمة (تدريجيا)لكنه ملأ أعينهم بالعطاء،دفعة واحدة كتابات المقريزى وكانت مصر وفضائلها هى درة عقدها وما تحمله من فلسفته الخاصة تاريخيا واجتماعيا يمكن إيجازها فى القيمة الكبرى للتاريخ والامتلاء به والاستفادة من دروسه، دون الإقامة فيه.

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق