يواجه العالم تحديًا غير مسبوق يدفع قادة الدول وجميع المواطنين حول العالم إلي تغيير عاداتهم والتصرف بصورة جماعية والتحلي بالمسئولية الاجتماعية والتفكير خارج الصندوق. فبعد أن ضرب فيروس كورونا المستجد مدينة ووهان الصينية بنهاية 2019 انتشر من هناك لكل دول العالم تقريبا، وبقاراته أجمع. والآن صار جائحة عالمية لم يسبق لها مثيل.
إن هذه الجائحة العالمية تؤثر تأثيرًا شديدًا علي اقتصاداتنا مما يؤدي إلي تدمير كاسح للوظائف وتضغط وبشدة علي أنظمة الحماية الصحية والاجتماعية لدينا.
ونظرًا لموقعهما في قلب القارة الأوروبية، تلقت كل من فرنسا وألمانيا ضربة قوية من جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19). بطبيعة الحال، تمثلت الاستجابة الأولي لكلا بلدينا في اتخاذ تدابير وطنية للحد من عدد الإصابات والتخفيف من العواقب الاجتماعية والاقتصادية للجائحة. معًا وبالتعاون مع شركائنا الأوروبيين والاتحاد الأوروبي، قمنا أيضًا باتخاذ إجراءات تضامنية ملموسة علي مختلف مستويات هذه الأزمة ومنذ بدايتها. فألمانيا، علي سبيل المثال، لم تتردد في استقبال مرضي العناية المركزة من فرنسا وإيطاليا وهولندا في المستشفيات الألمانية لتلقي العلاج الطبي. وعلي الرغم من أن فرنسا كانت تشهد تسارعًا في تفشي الوباء علي أرضها، أرسلت الملايين من وسائل الحماية من الفيروس إلي دول أوروبية أخري. ، قد نظمنا أيضًا رحلات طيران أوروبية مشتركة لضمان عودة المواطنين الأوروبيين العالقين في أرجاء المعمورة إلي بلادهم. علاوة علي ذلك، فنحن نقوم بحشد قدراتنا البحثية الأوروبية لإنتاج لقاح قادر علي تحصين المواطنين ضد الفيروس.
هذه الأمثلة تظهر أن روح التضامن، التي هي مبدأ أساسي للاتحاد الأوروبي، تزداد قوة عند خوض غمار الأزمات العاصفة، وأن باستطاعتنا العثور علي إجابات أوروبية لتلك الأسئلة الملحة التي صاحبت هذه الأزمة، بدءًا من تنسيق الإمدادات الطبية إلي الأبحاث المشتركة المتعلقة بإنتاج اللقاح والاستراتيجيات الاقتصادية والدعم الاقتصادي. وفي مرحلة ما بعد جائحة فيروس كورونا المستجد في الاعتبار، هدفنا كأوروبيين هو الخروج من اختبار الضغط النفسي هذا علي نحو أقوي وأكثر التزامًا بالتعامل مع التحديات المستقبلية معًا.
ولكن، وكما أن الفيروس لا يتوقف عند الحدود، فإن التضامن الأوروبي يتخطي أيضًا حدود أوروبا. وحيث إنه ليس باستطاعة دولة بمفردها التغلب علي هذا التحدي، فمن المحتم بالنسبة لألمانيا وفرنسا، وكذلك الاتحاد الأوروبي، توحيد قواهم مع المناطق المجاورة والدول الشريكة حول العالم، خاصة في إفريقيا. ولتحقيق هذا الهدف، خصص الاتحاد الأوروبي حزمة من الإجراءات تحت مسمي «فريق أوروبا» تهدف إلي دعم الجهود التي تبذلها الدول الشريكة لمواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد من خلال إعادة تخصيص أكثر من 20 مليار يورو، تم تدبيرها من موارد مؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء. فقد تزعمت فرنسا وألمانيا أيضا مطالبة شركاء مجموعة الدول السبع ومجموعة الدول العشرين بتخفيف ديون البلدان الإفريقية لأنه لا يمكن لإفريقيا أن تكافح من أجل سداد ديونها، وفي الوقت نفسه، تحارب جائحة فيروس كورونا المستجد وتكبح تأثيره الاقتصادي والاجتماعي.
ومصر أيضا تواجه تحدي مجابهة فيروس كورونا. فقد اتخذت السلطات المصرية إجراءات حاسمة لاحتواء انتشار الفيروس وحماية أرواح المصريين في الوقت نفسه الذي تتعامل فيه مع قضايا الاستقرار الاقتصادي. إن الإحساس بالمسئولية الذي أظهره الشعب المصري في اتباع القواعد الاجتماعية الجديدة لحماية أنفسهم والآخرين، وهو أمر غاية في الأهمية، كان لافتًا للنظر وجديرًا باحترامنا. والآن تنظر العديد من دول المنطقة إلي النموذج المصري لمكافحة الوباء باعتباره مصدر إلهام لأعمالها واستراتيجياتها والتوقعات من وراء ذلك عالية جدا.
وللتغلب علي هذه المصاعب وهزيمة الفيروس، تقف فرنسا وألمانيا اليوم، أكثر من أي وقت مضي، جنبًا إلي جنب مع مصر. فمن خلال تعاوننا الثنائي التقليدي، نقوم بدعم النمو الاقتصادي والمستدام لمصر وشعبها من خلال أنشطة ترتبط بتنمية القطاع الخاص فيما يتعلق بتوفير الوظائف ومجالات المياه، والطاقة، والتعليم، والتنمية الحضرية والرقمنة. بالإضافة لذلك، نعمل معا، وبالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، علي إجراءات الدعم الفوري، خاصة في قطاع الصحة، لتزويد مصر بكل المساعدة اللازمة التي طلبتها من أصدقائها. ونحن ملتزمون تماما، أيضًا كأعضاء مؤسسين ونشطين في صندوق النقد الدولي، بدعم تصميم الحكومة المصرية علي تعزيز فوائد الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها خلال السنوات الأربع الماضية.
كذلك، فنحن نعد خطة عمل متوسطة المدي لحشد الموارد من وكالات التعاون الفرنسية والألمانية لمساعدة مصر علي إعادة تنشيط اقتصادها بمجرد انتهاء أزمة فيروس كورونا المستجد.
نحن نعلم أنه سوف يتعين علينا التعايش مع هذا الفيروس لأشهر مقبلة، وربما لسنوات، لكننا سوف نتمكن معا ومسلحين بوحدتنا، من هزيمته في نهاية الأمر. وفي مثل هذه الأوقات التي نضطر فيها للتباعد الاجتماعي، ينبغي علي البلدان والشعوب في جميع أنحاء العالم أن تتقارب أكثر لتخوض معركتها المشتركة ضد الجائحة وتأثيرها طويل المدي. ولن يتسني لنا التغلب علي التحديات الحالية والمستقبلية إلا من خلال الوحدة والتضامن والتعاون، والتزود بقدر كبير من الالتزام والمرونة. و قد يتطلب ذلك في بعض الأحيان، اختيار طرق إبداعية جديدة تختلف عن المسارات المألوفة. و من المؤكد أن كلا من ألمانيا وفرنسا علي استعداد لمواجهة هذا التحدي جنبا إلي جنب مع شركائهما في مصر.
لمزيد من مقالات د.سيريل جان نون سفير ألمانيا ستيفان روماتيه سفير فرنسا رابط دائم: