قصص قصيرة شيقة ممتعة.. صور قلمية فريدة عن رموز ورواد الغناء والطرب فى مصر فى كتابها الجديد «دندنة» حيث تكشف الأديبة الفنانة «الذواقة» عن خبيئتها المفضلة من الأغانى والأشعار..
يستعرض الكتاب الموسوعة تاريخ الطرب منذ تشييد محمد على لمدارس الموسيقى وإعداد العازفين ومن زمن عبده الحاملى وكامل الخلعى مرورا بكل الأجيال الغنائية حتى شعبان عبدالرحيم حيث تكشف النقاب عن عوامل التأثير والتأثر بين المبدع وبيئته وكيف أصبحت هذه الكوكبة من النابغين «بارومتر» يصلح للقياس؟.. فهم أصحاب رسائل تحمل قيمة ومعنى ومتعة والرسالة لا تموت.. ظواهر فنية بديعة سطعت فى سماء المحروسة كانت مرآة صادقة لروح عصر بأكمله.. كيف تغلغلت أعمالهم فى وجداننا؟ وجوهر عملية رجع الصدى «الدندنة» كما يعكسها هذا العنوان البديع.. الدندنة، هى كل ما يستقر ويستعاد.. الأنس والونس ولحظات التسامى فوق الهموم والأعباء اليومية.. الدندنة، جوهرها، ألق العبقرية ووهج العمل وطغيانه الذى لا تشبع منه النفس.
فهى تصف الغناء: «بالتعويذة السحرية التى يحاول بها المصرى فض مغاليق الكون وأسراره فلدينا أغنيات لطرد الحسد وللعمل وللجنود وللنيل وللحب ولأصحاب كل المهن» وبعين العاشقة لا الخبيرة رصدت المحطات الجوهرية فى مسيرة بعض المبدعين واستعانت بكل صور السرد المتنوع من شهادات أهل الفن حيث وصف نجيب الريحانى سيد درويش بقوله: «روح هائمة على ورش الأرض، روح غير مستقرة، روح تستعجل أيامها للرحيل من الحياة».. الشيخ سيد رائد مسيرة التطور الموسيقى الذى كان يتم تجاهل ذكراه حتى عام 1958.
حرصت الكاتبة القديرة على منح كل مبدع لقبا خاصا من منطلق رؤيتها لنسيجه الإبداعى وشفرته الفريدة.. ورصد لحظات القضاء والقدر فى حياتهم.. فالملحن الفذ محمود الشريف منحته لقب «لعبة الست» وتحدثت عن قصة زواجه بكوكب الشرق وكيفية صياغة مصطفى أمين لخبر الزواج «القنبلة» بصورة طغت على مفاوضاتنا مع الإنجليز عام 1946.. والسنباطى «أستاذ تلحين القصائد».. المستغرق فى ألحانه وكيف كان يجاهر بآرائه دون مواربة حين وصف كلمات أغنية الحب كله لأم كلثوم: «اسقينى واملا واسقينى تانى» بصورة ساخرة: «هو ده حب ولا سطل عرقسوس؟! وغضبت الست منه غضبا شديدا.. حكايات سيد مكاوى ونوادره أيضا مع الست وفى كل ما ترصده هذه المبدعة، تشعر أنها تطرق الحديد وهو ساخن فكأنها فرغت من سماع هذه الحكايات بالأمس.. فالحكى طازج والدهشة فى أوجها والبحث عن لحظات التجلى والإلهام ومكامن الجمال هى ما تبتغيه وتسعى إليه.. ويستوقفك وصفها للحن الموجى البديع «الرضا والنور» فتشعر أنك تقرأ لصوفية فى محراب الفن ذاقت فعرفت.. فكتبت عنه تقول: «ليس كمثله لحن يشحنك بطاقة من الرضا والنور تسمو بك إلى قمم ما يتمناه المرء من سعادة غامرة عندما تزفه ملائكة الرحمن فى موكب الرضا والغفران ومراتب الصالحين والتائبين والصديقين إلى جنات بعرض السماوات و الأرض، لحن تهيم فى ذرى روحانياته تحلق مع تجلياته النورانية، تذكر العلم القدير، تغدو أثيريا، تنبت لجوانحك أجنحة، تحلق، تدور، تطير.. تصاحب عزف ونقر الدفوف فى موكب الزاهدة العابدة رابعة العدوية».
فألحان الموجى كلها معتبرة ورصينة ومحبوكة كشغل اليد من وجهة نظرها.. فالنغمة تخطفك منذ بدايتها.. «كامل الأوصاف» أما بليغ فهو عسل وسكر.. عطاء غير مسبوق ثلاثة آلاف لحن عبقرى لا تتقارب أو تتشابه فيه جملتان موسيقيتان.. وانفرد حليم بأنه كان محور الملحنين والشعراء فالكل أسهم فى مجده الغنائى.. الفنان والنموذج.. الماركة.. البصمة الفنية الذاتية.. التشكيل والصياغة والتوق الدائم للوصول إلى الكمال.. كل هذه الصفات توافرت فى حليم وفى معظم كوكبة المبدعين الذى ضمتهم دفتى الكتاب.. كان عبدالوهاب يصفه بأنه يعطى صوته كاملاً ويقدم أقصى ما عنده بكل بساطة واقتدار.
ويتنقل السرد بين ثنايا وسجايا المبدعين وأسرارهم وتنعقد المقارنات التلقائية والتحليلات الفطرية والمعلومات القيمة عن أجيال الطرب والشعر.. وكيف كانت ظاهرة أداء المطربين للآذان بصورة تخضع للتقاليد الموسيقية؟.. ظاهرة فريدة فى القرن التاسع عشر تستحق التوقف والاستدعاء! وأديب نوبل نجيب محفوظ الذى لا يستنكف من التصريح بإعجابه بغناء أحمد عدوية وطربه لسماع أغنية سلامتها أم حسن لعدوية وهى من الأغانى الى ظلت عالقة بذاكرته.
هنا تتحدث الأستاذة سناء عن موجات التغيير التى تقتحم المجتمعات وتغير وتعدّل فى جينات الذائقة الفنية بمرور السنين.. بعيدا عن محكمة النقد التى يعقد لها ناكر ونكير فى هذا الزمان بين الاستحسان والاستهجان.. وكيف كان تذوق الفن يعم بصورة طبيعية رغم أن هذا العصر استنكر أغانى لشادية وفريد الأطرش ولم يتحسبوا ويتمهلوا لما هو قادم من زلزال الكلمة والنغمة الموحدة المتشابه فى الرتم والإيقاع.. وعن ملمس الأصوات ورونقها.. تتحدث عن عبدالمطلب صاحب الحنجرة الذهبية والصوت البريتونى الأوبرالي: «صوت يساعده نفس طويل كحبل ممدود لا ينقطع ولا ينتهى.. بل ينعقد وينفك لينعقد وينفك من جديد» وعن نوادر عبدالوهاب مطرب الملوك والأمراء فى بغداد حين انتقد فى العراق ولى العهد دون أن يعرف شخصيته ونصائح رئيس الديوان له بالهروب إلى سوريا فى الرابعة صباحاً.. وكيف اعتاد أهل حلب إرسال فريق منهم لاستكشاف موهبة أى مطرب جديد ثم يذهبون بأعداد كبيرة فى اليوم التالى لسماعه؟.. وماذا فعل حين طلبت منه الملكة نازلى أغنية لا يعرفها؟ وصوت سى عبده الحامولى الذى كان لا يستطيع عازف القانون مجاراته نظراً لقوته وتعدد مقاماته.. وكان نديم الأمراء وأول من وضع نظام البروفات وقرر مرتبات شهرية للفرق الموسيقية.
أما صديقتها الغالية نجاة فكان عنوان فصلها «مطرحها فى القلب» فهى السابحة المحلقة فى ملكوت مشاعرها، الهاربة من كل العيون إلى داخلها.. مأخوذة بما تغنى فتغنى لنفسها، نبراتها بحار لؤلؤ، صوتها له بريق الماس على حد تعبير البيسى.. وهى كمنجة الأصوات وفقاً لشهادة محمد عبدالوهاب.
وعن جمهورية فيروز التى وحد صوتها ما عجز عنه السياسيون.. الناى السحرى فى بستان الغناء.. فقد أورد الكتاب شيء من سيرتها الذاتية وآراء شخصية نادرة.. لتلك الأيقونة الملهمة بصورة تستدعى التوقف والتأمل فتقول:
»يخيفنى هذا القالب الذى أجد نفسى مصبوبة فيه.. يرعبنى هذا الرمز الذى صرته فى الفن.. أشعر أننى سجينة القالب.. صارت حياتى مثل لاعب السيرك الذى يمشى على الحبل.. هناك بشر للحكى وآخرون للإصغاء.. وأنا من أهل الصمت.. حب الناس هو الذى يفجر فى الفنان طاقات لم يكن هو ذاته يتوقعها.. كان عبدالناصر يعتبر أنه ولادتى خارج مصر من أخطاء المصادفات».
ويتوالى السرد فى هذا الكتاب المكتنز بالصفحات المطوية والأسرار فى الحديث عن الشعراء ورونق الكلمة وعظمتها وكيف تكون هى البداية التى تعبر مسار اللحن بالدرر والأحجار الكريمة.. مرايا عديدة استخدمتها الكاتبة الكبيرة لكشف أغوار عالم الشعراء.. أميرهم أحمد شوقى الذى حذفت له ثورة يوليو 360 بيتا عن الأسرة المالكة من عهد محمد على والخديوى اسماعيل ونزار قبانى الذى أهداها آخر دواوينه «هل تسمعين صهيل أحزاني؟» مرورا بالكبير «كامل الشناوي» الذى يرتشف من شعره كل معانى الوجد والشجن والخيانة.. ووقوفا بكثير من الثناء والقدير أمام موهبة حسين السيد «صوت الجماهير» شاعر الغناء الفذ والجندى المجهول فى عالم الطرب.. ومرسى جميل عزيز فارس الكلمة، وصلاح جاهين كتبة الإبداع القائمين بذاتها.. وتطول القائمة وتضيق المساحة.. ولا يتبقى إلا تغريد الشحرورة «صباح» وحديث عن تجاربها الخاصة وحياتها الممتدة وزيجاتها المتعددة.. وكيف كانت تصف الزمن بأنه خارج ساعتها والشهرة يعانى منها المشهور ويجنى منها الحصرم لا العنب فى حالات عديدة.. أما سر شبابها لسنوات عديدة فتصفه بقولها: «لم يكن عندى وقت لكى أكبر فالشيخوخة فى حاجة إلى وقت وأنا كنت انتقل من عمل لآخر حتى فقدت الإحساس بالوقت».
بهذه العبارة التى تختزل سرا فريدا من أسرار الإبداع ويتجلى فى الاستغراق والعمل بدأب وصدق وإخلاص وتفان.. وأخيرا الكتاب يعد وثيقة فنية تكشف النقاب عن طقس الإلهام وعادات المبدعين بعبارات كاشفة ولماذا تحولت أعمالهم إلى كنوز ننهل منها؟.. ومن خلال 446 صفحة صدرت عن دار نهضة مصر، كُتبت حيثيات خلود هذا الإرث الفريد الذى نستمتع ونفاخر به محيطنا العربى.
رابط دائم: